مدار: 19 شباط/ فبراير 2026
بقلم: موسى أبو هشهش
بات من غير المرجّح أن ينتظر ترامب أن يعود عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، بعد أسبوعين ليقدّم تصوّرًا مكتملًا حول تسوية (للنزاع) بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومهما حمل هذا التصوّر من تنازلات حول برنامج إيران النووي، وحتى الاستعداد لمناقشة برنامجها الصاروخي الباليستي وعلاقتها مع حلفائها في المنطقة.
كما ليس من المنطق الاستراتيجي الأميركي أن تتعامل الولايات المتحدة، ولا فرقَ إن كان الرئيس ترامب أو سواه، مع إيران كندّ يمكن التوصل معها إلى تسوية عادلة تحقق مصالح الطرفين وعلى رأسها رفع العقوبات المشددة عن إيران والسماح لها بالبقاء كدولة إقليمية ذات مشروع منافس لحليفتها إسرائيل وبعلاقات متينة مع دول منافسة اقتصاديًا وعسكريًا للهيمنة الأميركية مثل روسيا والصين.
وفي وقت لا ينفكّ الرئيس الأميركي ترامب يفاخر ويكرر أنه قضى على القدرات النووية الإيرانية في حرب الـ12 يوم، بينما (يقسم) المرشد الأعلى بأغلظ الأيمان أن إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا مهما كانت الضرورة لذلك، وما يعنيه ذلك من طمأنة لنتنياهو بأن إيران لن تكون تهديدًا نوويًا في المستقبل لدولة إسرائيل أو لأيّة دولة أخرى في المنطقة أو في العالم.
وبخبرة العالم أن إيران رغم محاولات شيطنتها فهي لم تعتدِ على أحد، ولم تشن حربًا واحدة منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل حوالي خمسة عقود، مقابل عشرات الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل وراح ضحيتها ملايين الأبرياء..
من هنا، فإن السؤال الساخر الذي يطرح بقوة والذي يحاول المحللون الاستراتيجيون الغربيون أن يلفّقوا إجابات كيدية له لتبرير شيطنة إيران وتبرير مهاجمتها هو: ما هو أصل النزاع القائم بين دولة في قارة أخرى وتبعد عن إيران مسافة 11000 كم، ولا يمكن أن تشكل أدنى تهديد لها، حتى لو امتلكت أحدث وأبعد الصواريخ البالستية مدى، وطالما لا تدّعي إيران بحقوق سلبت منها تاريخيًا؟
أمّا السؤال الساخر الآخر فهو حول جدوى المفاوضات القائمة بين الطرفين والتي من المؤكد أنها لن تفضي إلى تسوية مهما كان شكلها بحكم المعادلة غير المتكافئة بين ما يريده ترامب وما يمكن أن تقبل به إيران، وبكلمات أخرى بين استسلام كامل تصبح معه إيران دولة منزوعة السلاح ومكشوفة، وبين الحد الأقصى من التنازلات التي ستقدّمها في المفاوضات، بما يحفظ ماء الوجه ويخفف العقوبات المشددة ولا يتسبب في انهيار النظام والدولة.
لا شك أن النظام الإيراني ليست لديه أوهام حول معادلة (الصراع) أو بكلمات أدق حول الخطط الأميركية للنيل من الدولة الإيرانية والنظام، وكذلك حول جدوى المفاوضات والتي اضطرّ إلى الانخراط فيها مُكرهًا، وبفهم مسبق أنه مطلوب منه أكثر مما يستطيع التنازل عنه أمام إصرار فاشية متوحشة لا تقبل بنصف تنازلات وتتفاخر بأن لديها أقوى جيش في العالم، ولا تأبه بالقوانين الدولية ورأي المجتمع الدولي وبنتائج حروبها حتى لو تسبّبت حروبها بقتل الملايين وتدمير الحضارات، وتجربة العراق وأفغانستان وقبلها فيتنام حاضرة في ذاكرة التاريخ، كما لن تكترث باتهامها من الرأي العام الدولي بأنها شاركت في حرب الإبادة للفلسطينيين في غزة، وخطفت مادورو رئيس فنزويلا وتحاصر كوبا، وتتحفز للسيطرة على جزيرة غرينلاند..( على عينك يا تاجر) كما يقول المثل الشعبي.
لكن، إن كان ثَمّة وهم لدى النظام الإيراني، فهو اعتقاده أن المفاوضات يمكن أن تستمر طويلًا بحيث تبرد الرؤوس الحامية في البنتاغون وتلغي الخيار العسكري أو تؤجله من خلال مرونة في التفاوض ومزيد من تنازلات إيرانية لا تفهم استسلامًا كاملًا وانهيارًا للنظام وبدون مقابل وبدون الحرب؛ وهذا ما لن يوافق عليه ترامب ونتنياهو الغائب الحاضر في المشهد، والذي إن حدث وطالت المفاوضات سيكون فعلًا من الصعوبة اللجوء للخيار العسكري وسيضطرّ البنتاغون إلى سحب حشودِه العسكرية المكلفة من الشرق الأوسط، وستعوم المسألة الإيرانية إلى أجل غير مسمى، وهذا سيكون انتصارًا سلميًا لإيران وضربة في الرأس لترامب ستزعزع أهليته لقيادة أكبر قوة عسكرية في العالم، وقد لا تُبقيه في المنصب مع اقتراب الانتخابات النصفية، وهو نفسه الذي حذّر يوم أمس أنه لن يسمح لإيران بالتفاوض حتى الانتخابات النصفية.
ربما ليس ثَمّة خيار آخر لإيران سوى أن تذهب للمفاوضات وتتشبث بتفاؤل حذر حول تقدمها وجديتها، لكن المؤكد أنه لن يسمح لها أن تواصل تشبثها بهذا (الأمل) طويلًا وقد اتخذ قرار الحرب وحدد توقيته، وقد يكون ذلك بعد أن تصل حاملة الطائرات الأضخم في سلاح البحرية الأميركية، جيرالد فورد إلى سواحل فلسطين وقبل أن يعود عراقجي إلى جنيف بتصوره المتماسك، كما أن استمرار المفاوضات والإيجابية التي يظهرها الجانب الإيراني ستحرج ترامب، وتضعف نزعته الفاشية وتقطع الطريق على نتنياهو، الذي لن ينتظر هو الآخر نتائج المفاوضات.

