مدار: 02 مارس/ آذار 2026
بقلم: موسى أبو هشهش
لا يستطيع أحد أن يتنبأ متى وكيف ستنتهي المواجهة بين فاشيتين تمتلكان أشرس الأسلحة الفتاكة، وأكثر أدوات الاستخبارات تطورًا في العالم، وبين دولة جرى شيطنتها كيديًا، ومحاصرتها بأشد العقوبات، وتعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة بسبب الحصار، كما تعرضت قبل أشهر لعدوان أمريكي إسرائيلي شرس أضعف قدرتها على المواجهة، وتركها فريسة لأطماع الإمبريالية العالمية، على طريق الانقضاض عليها والإجهاز على نظامها السياسي ونهب مقدراتها بعد تحويلها إلى دولة فاشلة، كما حدث في العراق وسوريا وأخواتها.
منطقيًا في المواجهات غير المتكافئة ستتغلب القوة الغاشمة والتوحش على الحق، وسينتصر الشر على الخير، وتاريخيًا يكسب الغزاة المعارك غير المتكافئة عسكريًا؛ فقد احتل هتلر نصف أوروبا وغزا روسيا وحاصر ستالينغراد لمدة ستة أشهر صمد خلالها سكان ستالينغراد صمودًا أسطوريًا وقاتل المحاصرون ببسالة ودمرت المدينة بالكامل، واستشهد 1.1 مليون روسي قبل القضاء على جيش الغزاة وقتل 800000 جندي ألماني لتكون معركة ستالينغراد بداية هزيمة هتلر، ونهاية الفاشية.
ما يحدث لإيران لا يختلف كثيرًا عما حدث في العراق وأفغانستان وفي فيتنام وفي أماكن أخرى في العالم، حين تجرأت فيه الفاشية الأمريكية على استباحة الدول بعد شيطنتها وحصارها واستباحتها وخرجت فيها أمريكا تجر أذيال الهزيمة، وما حدث في غزة يجب أن يكون مثالًا ونموذجًا للصمود والبسالة، حيث لم تستطع الفاشية الصهيونية هزيمة مقاومين في حرب ليست فقط غير متكافئة عسكريًا، ولكنها لا يمكن أن تندرج تحت معادلات عدم التكافؤ بين الفرقاء المتحاربين، كما هو الحال بين أمريكا وإسرائيل من جهة وبين إيران من الجهة الأخرى باعتبار المساحة والعدد والإمكانات.
من هنا، فالمطلوب من الدولة الإيرانية مدعومة بشعب موحد وعريق حضاريًا أن لا تجزع من حجم ووحشية العدوان الأمريكي الصهيوني الفاشي لاعتبارات عديدة أهمها أنه لم يعد لديها ما تخسره سوى حريتها ومقدراتها وتاريخها، وأن تدرك أن الحرب الكيدية ضدها ستكون الحرب الأخيرة في المنطقة ويجب أن تنتهي بانتصار إرادة الشعب الإيراني، وتسجيل صمود أسطوري لن تستطيع لا أمريكا وإسرائيل احتماله إذا ما طالت الحرب وباتت حرب استنزاف طويلة ستطيح بترامب ونتنياهو ويتلقى الغزاة فيها درسًا في الغزو.
مطلوب من إيران أيضًا أن لا تردد في استخدام أقصى ما لديها من قدرات المواجهة والصمود بغض النظر عن وحشية المعتدي وبغض النظر عن حجم الضرر الذي يلحقه بالدولة الإيرانية وبعيدًا عن الحسابات الدبلوماسية، ودون اعتبار لرأي المجتمع الدولي المنافق والمتواطئ الذي يحترم ويستمع للأقوياء فقط ويسخر من الضعفاء.
من المنتظر من إيران أن لا تتوقع من أحد نجدتها، فلن ينجدها أحد غير إرادة شعبها وصمودها وعراقة حضارتها، وأن تتشبث بالأمل بأن النصر ممكن إذا آمنت بأنها تدافع عن حقوقها وأن الحرب القائمة هي حرب وجودية فإما أن تكون أو لا تكون، ليس كنظام فقط وإنما كدولة وشعب يستحق أن يعيش كالشعوب الأخرى.
ومطلوب من الحكومة الإيرانية أن لا تنخدع مرة أخرى بمعادلة المفاوضات العبثية التي كانت تهدف لتضليلها وإجبارها على استسلام كامل سيكون ثمنه أعلى تكلفة من الحرب حتى وإن كانت حربًا متوحشة.
من وهنا يطرح السؤال الأهم في هذا السياق، وهو لماذا لا تتحرر إيران من التزاماتها حول صنع السلاح النووي الرادع وفورًا ودون الالتفات لما تريده الدولتان النوويتان الغازيتان، إذا كان لديها القدرة على ذلك، كما فعلت كوريا الشمالية والهند والصين وفي وقت يسخر فيه الأقوياء من الفتاوى الأخلاقية والدينية في عالم يحكمه قانون الغاب وتتنامى فيه الفاشيات المتوحشة؟
لا توجد ضربات قاضية في الصراعات بين الفاشية والشعوب الحرة طالما آمنت الشعوب بقدراتها وحقوقها، فالشعوب الحرة متحالفة رغم القمع والاستبداد ورغم الخذلان من حكوماتها التي انحازت للمعتدي على حساب حقوق شعوبها وحريتها. كما أن مراهنة الغزاة على إخضاع الشعوب كانت دائمًا مراهنات خسارة كما يروي تاريخ حروب أمريكا الدموية.
أما أوهام الغزاة حول هزيمة الشعب الإيراني فستظل محض أوهام إن توفرت إرادة الصمود والمواجهة، ومن المرجح أنها متوفرة للشعب الإيراني حتى الآن، أما الاغتيالات والتدمير وقتل أطفال المدارس فهي أثمان لا بد من دفعها، وإن كانت باهظة ومؤلمة، فهي ثمن الحرية والانتصار للشعب الإيراني وهزيمة وعار للغزاة.
