مدار: 19 شباط/ فبراير 2026
تحولت مدينة الناصرية (جنوب العراق)، التي تُعرف تاريخياً بأنها مهد الحرف الأول ومدينة “أور” الأثرية، إلى مسرح لقمع الكلمة، في الـ 12 من شباط/ فبراير، بعد أن تسبب العثور على صورة قديمة للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين داخل مطبوعة طبية، في وأد مهرجان “الناصرية تقرأ” ومصادرة جهود أشهر من العمل التطوعي، في حادثة أعادت فتح النقاش الساخن حول حدود “الهاجس الأمني” ومساحة “الحرية الثقافية”.
وكان من المقرر تنظيم المهرجان في 13 من الشهر الجاري، حيث كان يرتقب توزيع ما يناهز 5000 كتاب مجانا على المواطنين.
وكانت عربة محملة بشحنة من الكتب، قادمة من بغداد في طريقها إلى المهرجان، أوقفتها السلطات الأمنية عند نقطة تفتيش في مدخل المدنية الناصرية، وخلال التفتيش الروتيني، عثرت القوات الأمنية على “كُتيّب” يعود لنقابة الصيادلة ومجلة طبية من حقبة ما قبل 2003، تحتوي، على صورة لصدام حسين، وهو ما اعتبرته السلطات العراقية “ترويجا لأفكار حزب البعث المحظور”.
وعلى إثر ذلك، اعتقل سائق العربة، ثم اعتقال المهندس الشاب أيمن عمار، مدير فعاليات المهرجان، الذي توجه إلى النقطة الأمنية حاملاً أوراقه وموافقاته الرسمية لتوضيح الموقف، ليجد نفسه قيد الاحتجاز، وسط أنباء – بحسب المرصد العراقي لحقوق الإنسان – عن تحويل ملفهما إلى مديرية الاستخبارات أو مكافحة الإرهاب، وهو تصعيد وصفه مراقبون بأنه يهدف إلى “شيطنة” العمل التطوعي.
ويؤكد المنظمون للمهرجان، ومنهم حسين الغزي وإبراهيم السيد، أنهم استحصلوا كافة الموافقات القانونية من أعلى الجهات: جهاز الأمن الوطني، قيادة الشرطة، وزارة الشباب والرياضة، والحكومة المحلية، بل إن التنسيق كان جارياً مع هذه الجهات حتى اللحظات الأخيرة.
ورغم عرض اللجنة المنظمة إخضاع جميع الكتب للفحص المسبق واستعدادها للتعاون لمعالجة أي خرق غير مقصود، قررت قيادة شرطة ذي قار “إلغاء المهرجان نهائياً”.
“وصاية على العقل الجمعي”
ووصف المرصد العراقي لحقوق الإنسان ما حدث بأنه “انتكاسة خطيرة لحرية التعبير” وارتداد عن المبادئ الديمقراطية التي كفلتها المادة 38 من الدستور العراقي، واعتبر أن الواقعة تشكل نمطاً من “التغول الأمني” الذي يتجاوز حفظ النظام إلى فرض “الوصاية على العقل الجمعي”.
فالسلطة التي “ترتعد فرائصها من كتاب”، بحسب تعبير المرصد، تعاني من أزمة ثقة عميقة مع مواطنيها. وبدلاً من النظر إلى المهرجان كنشاط يعزز السلم المجتمعي وينبذ التطرف عبر الثقافة، تم التعامل معه بعقلية “المؤامرة”، حيث تحول الناشط الثقافي إلى متهم محتمل بالإرهاب لمجرد حيازته مجلة طبية قديمة.
وفي تحرك ميداني عقب هذه الواقعة، زار وفد قيادي من الحزب الشيوعي العراقي برئاسة أمينه العام رائد فهمي محافظة ذي قار، حيث التقى المسؤولين المحليين للتعبير عن رفض “الطريقة التي جرى التعامل بها مع الشباب”.
والمفارقة أن رئيس مجلس المحافظة عزة الناشي والنائب فاروق الياسري أبدوا دعمهم للمهرجان واستعدادهم لحضوره “حال إقامته”، وهو ما يكشف عن فجوة بين “القرار السياسي” الداعم ظاهرياً للثقافة، و”القرار الأمني” الذي تم تنفيذه من خلال المنع والاعتقال.
وكان برنامج المهرجان يتضمن مبادرات بيئية لتوزيع الشتلات، ودعماً للأسر المنتجة عبر البازارات، وعروضاً موسيقية ومسرحية.

