مدار: 14 آذار/ مارس 2026
بقلم: موسى أبوهشهش
ماذا انتظر محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد وتميم وأشقاؤهم العرب؟
هل انتظروا أن تشكرهم إيران على تصريحاتهم الكاذبة بأنهم لن يسمحوا باستخدام أراضيهم وأجوائهم وأموالهم لصالح العدوان الصهيوني الأميركي الفاشي على جارتهم المسلمة؟ هل انتظروا أن يشكرهم الشعب الإيراني على المساعدات الإنسانية التي ستتدفق من بلدانهم لنجدة الشعب الإيراني المحاصر والمنكوب بالعدوان الغاشم على إيران؟ هل انتظر خليفة قابوس بن سعيد أن يشكره وزير الخارجية الإيراني على دوره في الوساطة بين أميركا وإيران في المفاوضات العبثية الأخيرة التي استخدمها ترمب للتضليل قبل شن العدوان؟
أم أنهم انتظروا أن تسقط إيران في الساعات الأولى للعدوان بعد مقتل مرشدها الأعلى والعديد من قادتها من الصف الأول، فيشمتون ويحتفلون بزوال التهديد الإيراني الوهمي الذي صنعه الغرب وإسرائيل على عروشهم؟
لم تكشف الحرب الدائرة اليوم حجم التواطؤ بل حجم الخيانة للنظام العربي الرسمي والخليجي بشكل خاص للقضايا العربية والإسلامية، ولكنها أكدتها بما لا يحتمل التأويل والشك، كما أنها سخرت من سيادتها المزعومة ليس فقط على أراضيها وأموالها بل على قراراتها الخارجية وحتى المحلية، وقد كان موقفها من حرب الإبادة في غزة دليلًا واضحًا على تواطؤها وعجزها وجبنها أمام إسرائيل، قبل أن يكون أمام الولايات المتحدة التي قال ترمب يومًا إنه يحمي مؤخراتها وعليهم أن يدفعوا، ودفعوا أكثر من 5 تريليونات دولار وطائرة خاصة له، وكانوا قد دفعوا له الكثير في ولايته السابقة، وأغدقوا بالمجوهرات الثمينة على ابنته إيفانكا وزوجته ميلانيا.
لم تخجل تلك الدول ذات السيادة الزائفة، وبدلًا من أن تتفهم ما يحدث، وأنها ليست المقصودة بالهجمات الإيرانية، فقد تقدمت بشكوى لمجلس الأمن لإدانة تلك الهجمات متسلحة بتأييد المعتدي وسلطته على باقي أعضاء المجلس، وبإحراج الدولتين اللتين عارضتا العدوان الأميركي الصهيوني، روسيا والصين، اللتان امتنعتا عن التصويت ليعتمد قرار قلب معايير الحوكمة وأدان الضحية وأعفى الجلاد من مسؤوليته المباشرة على العدوان.
أما تاريخيًا، فإن الضرر والأذى الذي ألحقته تلك الدول (الشاكية من ظلم إيران) بالقضايا والشعوب العربية فلا يمكن مقارنته بالضرر الذي ألحقته إيران بها إن كانت الحسابات مادية، وليس بسمعتها التي انكشفت أمام شعوبها وشعوب العالم وطرحت أسئلة كبرى عن جدوى التبعية العبودية للولايات المتحدة، وحول بقاء القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، وادعاءات السيادة الزائفة، وهدر الأموال على التسليح بالمليارات لصالح شركات السلاح الأميركي، ولموازنات الحروب الأميركية والإسرائيلية للاعتداء على شقيقاتها العربية والإسلامية كما حدث في ليبيا وسوريا والعراق ولبنان وغيرها.
لكن وبالرغم من انكشاف الحقيقة العارية، فإنه من غير المرجح أن تأخذ تلك الدول (المعتدى عليها) من قبل إيران العبر مما يحدث بعد أن اكتشفت أن الأموال السخية التي دفعتها مقابل حمايتها، والأراضي التي منحتها لإنشاء عشرات القواعد العسكرية الأميركية، لم تكن لحمايتها بعد أن هرب جنود القواعد منها وتركوا قواعدهم مكشوفة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، كما لم تدرك بعد أن تلك القواعد أُنشئت في الأساس لحماية إسرائيل واحتلال بلدانهم والسيطرة على ثرواتها وعلى قراراتها.
أما الصراخ والإدانات ضد الهجمات الإيرانية فهي ليست سوى مواصلة للدور التواطئي والخياني لتلك الدول، ليس خيانة لإيران فقط، وإنما لشعوبها المقموعة التي عانت من التواجد الأجنبي ونهب مقدراتها، وخضعت لقمع الأنظمة الاستبدادية، وكذلك خيانة للقضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وما رافق ذلك من تهافتت على التطبيع مع دولة نتنياهو مجرم الحرب.
باختصار، فإن ما يحدث في الشرق الأوسط ليس مواجهة عسكرية طاحنة بين الفاشية والشعوب الحرة فقط، ولكنه حوار عميق بين الكرامة والنذالة، وبين القرار المستقل والتبعية المطلقة، وبين اختيار الصمود أو الانبطاح لدرجة خيانة الذات قبل خيانة الآخرين، وهنا ليس ثمة مكان للذكاء والاستذكاء في عالم يحترم الأقوياء فقط، ويسخر من كثرة شكوى الضعفاء وعويلهم، ويقول للشاكي ما قاله الشاعر إيليا أبو ماضي:
أيها الشاكي وما بك داء *** كيف تغدو إذا غدوت عليلًا
