الجنوب العالمي يحتاج إلى عملٍ مُنتِج: المراسلة 5 (2026)

مشاركة المقال

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي/ مدار: 03 مارس/ آذار 2026

فيجاي براشاد

في الذكرى التاسعة والسبعين لاستقلال الهند، في أغسطس/آب 2025، خصّص رئيس الوزراء ناريندرا مودي خطابه لـ”فيكسيت بهارات 2047″ (الهند المتقدمة 2047)، وأعلن عن المهمة وطنية للتصنيع. وقال إن هذه المهمة يجب أن “تقلّل الاعتماد على الواردات وتعزّز المرونة الاقتصادية” في قطاعات تمتد من الصناعات الجوية إلى الذكاء الاصطناعي. وحثّ ولايات الهند الثماني والعشرين، وأقاليمها الاتحادية الثمانية، والحكومة المركزية على تحديد 100 “منتج ذي أولوية” للتصنيع المحلي، وأضاف أن على حكومات الولايات تبسيط اللوائح والموافقات، “ولا سيما فيما يتعلق بالأراضي، والمرافق، والبنية التحتية الاجتماعية”، من أجل “جذب الشركات العالمية”. 

جيجي سكاريا، عجلة، 2009.

“الهند المتقدة 2047” ليست سوى استنساخا لمشروع “إصنع في الهند” الذي أطلقه مودي عام 2014. وكلا المشروعين قائمان على ثلاث مرتكزات:

  1. أن الاستثمار الأجنبي المباشر سيقود التصنيع المحلي.
  2. أن الشركات الهندية تستطيع تصنيع السلع، ولكن تحت وصاية التكتلات الأجنبية.
  3. أن حتى هذه الشركات لا تحتاج إلى بناء سلسلة الإمداد بأكملها – أو حتى معظم حلقات القيمة المضافة – داخل الهند، ما دام التجميع وحده يكفي لتصبح مؤهلة لوصف “صنع في الهند”.

عندما فُتح اقتصاد الهند أمام الاستثمار الأجنبي في عام 1991، في المرحلة المعروفة باسم التحرير الاقتصادي، لم تكن هناك رؤية واضحة لطبيعة وتركيبة الاستثمار اللازمين لبناء القدرة الصناعية والقدرة التكنولوجية – أو للشروط التي ينبغي أن تحكم رأس المال الأجنبي – ولا خطة طويلة الأمد للتصنيع. من هنا، أصدر معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي ملفّه المعنون بـ “اضطراب الاقتصاد الهندي) [صدر في يناير/كانون الثاني 2026]، الذي يحلّل كيف فكّك التحرير الاقتصادي مؤسسات عامة استراتيجية – مثل قطاع الإلكترونيات – وحشر الهند في دور مصدّرٍ للخدمات، بينما أخفق في معالجة التحدي الهائل المتمثل في البطالة.

جيجي سكاريا، مستوطنة، 2010.

إن الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة لم تحقق تصنيعًا مستدامًا لمجرد أنها بدأت مبكرًا، ولا لأن التصنيع المبكر كان بطبيعته أكثر كثافةً في استخدام العمالة. لقد أصبح تطورها الصناعي ممكنًا بفضل شروط سياسية واقتصادية تكاد تكون غائبة إلى حد بعيد في بلدان ما بعد الاستعمار اليوم: حماية مطوّلة للأسواق المحلية، والوصول إلى الأراضي المستعمَرة بوصفها مصادر للعمالة والمواد الخام، و– وهذا هو الأهم – أسواق خارجية قادرة على الحفاظ على الطلب على السلع المصنَّعة عندما كانت اللامساواة العميقة في الداخل تقيّد القدرة الشرائية الجماهيرية.

وقد أدّت المستعمرات دورًا مركزيًا في تثبيت التراكم الصناعي في أوروبا وأميركا الشمالية. فقد استوعبت فائض العمل، ووفّرت الغذاء والمدخلات الرخيصة، وعملت بوصفها أسواقًا أسيرة أو مميّزة للصادرات المصنَّعة. يعني هذا التصدير للطلب أن الإنتاج أمكنه الاستمرار في التوسع رغم القيود التي فرضتها اللامساواة الداخلية، بما سمح باستمرار العمالة التصنيعية وتطور التقنيات. وحتى في حالة الولايات المتحدة، كان التصنيع المبكر مدعومًا بإمكانية الوصول إلى أسواق خارجية، أولًا عبر العجوزات التجارية البريطانية، ثم لاحقًا عبر موقعها الهيمني الخاص في الاقتصاد العالمي. وفي فترة ما بعد الحرب، تعزز هذا النظام من خلال إدارة الطلب على الطريقة الكينزية، ومن خلال القوة التفاوضية القوية للعمل، التي تشكّلت جزئيًا بفضل وجود المعسكر الاشتراكي.

جيجي سكاريا، السحب البشري، 2018.

وعلى النقيض من ذلك، تعمل اقتصادات الجنوب العالمي، مثل الاقتصاد الهندي، داخل بنية عالمية تقيّد هامش السياسات، وتكبّل تدخل الدولة، وتمنح الأفضلية لتحرير التجارة وحركة رأس المال. وفي هذا السياق، لا يتمثل القيد المركزي على التصنيع في الوصول إلى التكنولوجيا، بل في غياب كلٍّ من الطلب المحلي والخارجي. ففي الهند، تحدّ اللامساواة الشديدة في الدخل من الطلب المحلي على السلع المصنَّعة، بينما تتسم الأسواق الخارجية بدرجة عالية من التنافس وتخضع لهيمنة شركات ودول تتمتع بعمق تكنولوجي أكبر بكثير ودعمٍ دولتي أقوى.

ولذلك، لا ينبغي فهم ركود التصنيع في الهند بوصفه نتيجة نافذة تاريخية ضائعة أو عملية لا رجعة فيها من “إزالة التصنيع المبكرة“. فالعمالة الصناعية الرسمية لم تكن كبيرة أصلًا، وقد أعقب توسعها المحدود ركودٌ لا انهيار. وتكمن المشكلة الأعمق في التآكل الانتقائي لقدرات صناعية حاسمة للتنمية الطويلة الأجل – مثل السلع الرأسمالية، والآلات الثقيلة، والإلكترونيات – حتى في الوقت الذي نمت فيه بعض الصناعات الموجهة للمستهلك، مثل السيارات.

جيجي سكاريا، ما بعد البر، 2008.

وعليه، يحاجج الملف بأن الأزمة الصناعية في الهند هي نتيجة خيارات سياسية وخيارات في مجال السياسات العامة قيّدت الطلب، وأضعفت القطاعات الصناعية الاستراتيجية، وأدمجت الاقتصاد في الرأسمالية العالمية على أسس تابعة. ولم يركد الناتج الصناعي لأن التصنيع لم يعد ممكنًا، بل لأن الشروط اللازمة لتوسعه – إعادة توزيع الدخل، والسياسة الصناعية التي تقودها الدولة، وإمكانية الوصول إلى أسواق مستقرة – قد جرى تقويضها بصورة ممنهجة.

يطرح ملفّنا خمس نقاط أساسية:

  1. منذ عام 2000، شهدت الهند تراجعًا مستمرًا في التصنيع، إذ انخفضت حصته من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات لا مثيل لها منذ أكثر من ستين عامًا. وقد ترافق ذلك مع نمو صناعي ضعيف وتقلص في العمالة الرسمية. ويرى الاقتصادي ر. ناغاراج أن حصة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي في الهند بقيت راكدة عند 15%–17% حتى مع نمو الاقتصاد. وانخفضت حصة العمالة في التصنيع، بينما ارتفعت حصة الزراعة – وكلاهما من علامات إزالة التصنيع المبكرة. ويشير ناغاراج إلى أن تراجع الاستثمار والاعتماد على الواردات، ولا سيما من السلع الوسيطة والسلع الرأسمالية، هما من الأسباب المباشرة لهذا التطور.
  2. لقد أخفقت المبادرات السياسية المتعاقبة – بما في ذلك “اصنع في الهند”، و”آتمنيربهار بهارات” (الهند المعتمدة على ذاتها)، ومخططات الحوافز المرتبطة بالإنتاج – في بناء قطاع صناعي متقدم تكنولوجيًا وعريض القاعدة. وبدلًا من ذلك، شجعت إنتاجًا قائمًا على التجميع يعتمد على مكوّنات مستوردة (كما يبيّن ذلك بحثٌ صدر عام 2020 لراما أرون كومار وبيسواجيت دهار).
  3. إن الفشل في إجراء إصلاح زراعي، وحدّة اللامساواة الطبقية في الهند، قد قيّدا الطلب المحلي، ما حدّ من نطاق التصنيع.
  4. لقد أدّى تحرير التجارة، والخصخصة، وإضعاف القطاع العام إلى تآكل صناعات السلع الرأسمالية والسلع الوسيطة، بما زاد من كثافة الاعتماد على الواردات وقوّض القدرات التكنولوجية المحلية (ونبيّن ذلك من خلال أمثلة من قطاع الحواسيب).
  5. وأخيرًا، نجادل بأن النمو القائم على الخدمات بديلٌ ضعيف عن التصنيع، لأن هذا النوع من النمو – ولا سيما في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والتمويل – لا يستوعب العمالة ولا يعزّز القدرة الصناعية. وهذا النمط يترك معظم العمال عالقين في عملٍ منخفض الأجر، غير آمن، وينتج أمةً هشّة.
جيجي سكاريا، محاولة مترددة، 2018.

نقترح النقاط التالية لمواصلة النقاش حول التصنيع في الهند:

  1. يجب النظر إلى السياسة الصناعية بوصفها برنامجًا سياسيًا، لا تمرينًا تكنوقراطيًا. فهي تتطلب تعبئةً صريحة للناس – بما في ذلك النقابات العمالية، واتحادات الفلاحين، وحكومات الولايات، وهيئات الحكم الذاتي المحلي، وسائر المؤسسات والمنظمات – داخل نقاش اقتصادي.
  2. يجب أن يكون الهدف الأساسي لأي سياسة صناعية هو العمل المُنتِج (كما جادل ساتياكي روي قبل عقد من الزمن). وينبغي الحكم على النجاح الصناعي بمدى استيعاب العمالة الخارجة من الزراعة والعمل غير الرسمي، لا بحجم الصادرات أو تقييمات سوق الأسهم. وسيتطلب هذا استثمارًا في التعليم والتكوين، حتى لا تعلق الهند في نموذج عمل منخفض المهارات.
  3. يجب النظر إلى إعادة التوزيع بوصفها شرطًا مسبقًا للنمو الصناعي. فتعزيز الطلب المحلي يتطلب رفع الأجور، وضمانات للتشغيل في الريف والمدن، وتوفيرًا عامًا شاملًا (للغذاء، والسكن، والصحة، والتعليم، والنقل).
  4. يجب أن تكون الدولة مُنتِجًا، لا مجرد جهة تنظيمية. وهذا يعني أن قدرة القطاع العام على إنتاج السلع الرأسمالية، والطاقة، والآلات، والأدوية، ومعدات النقل، تحتاج إلى التعزيز والتطوير عبر خلق منافسة سوقية داخل القطاع العام.
  5. يجب التغلب على الاعتماد على الواردات، وهو آفة كل بلد نامٍ، عبر الاستخدام الانتقائي للتعريفات الجمركية والقيود الكمية على الواردات. وينبغي أن تكون هناك اشتراطات للمحتوى المحلي في بعض السلع، وأنظمة مشتريات عامة تفضّل المنتجين المحليين.
  6. أي مشروع تنموي يجب أن يُبنى حول زيادة القدرة التكنولوجية والعلمية. وينبغي ألا يكون الاندماج في سلاسل القيمة العالمية غايةً في حد ذاته، بل وسيلةً لزيادة التعلم من خلال نقل المعرفة والتكنولوجيا، ولتوسيع البحث والتطوير المحليين.
  7. يجب أن تكون أهداف السياسة الصناعية خاصة بكل قطاع. فعلى سبيل المثال، ينبغي توجيه القطاعات كثيفة العمل، مثل المنسوجات والهندسة الخفيفة، نحو استيعاب العمالة، بينما تُوجَّه الصناعات الدوائية والإلكترونيات نحو السيادة الاستراتيجية. وكل قطاع يتطلب توليفاتٍ مفصّلة بحسب حالته من الاستثمار العام، والحماية التي توفرها الدولة، والتنظيم. كما يجب أن يكون التصنيع لامركزيًا وألّا يقتصر على الجيوب الحضرية إذا أُريد له أن يتجنب كلًّا من الاكتظاظ الحضري والضيق الريفي.
  8. ينبغي أن يخدم التمويلُ الإنتاجَ، لا العكس. فثمة حاجة إلى ضوابط على رأس المال لكبح التدفقات المضارِبة، ويجب توجيه الائتمان نحو القطاعات الاستراتيجية (وخاصةً إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة)، كما يجب توجيه البنوك العامة للعمل من أجل الأهداف التنموية الوطنية، لا من أجل الربح الخاص وحده.

بالتأكيد، فهذه ليست قائمة شاملة، بل دعوة إلى النقاش والحوار – ليس في الهند فحسب، بل عبر بلدان الجنوب العالمي التي تكافح للخروج من نموذج التنمية الذي يفرضه صندوق النقد الدولي.

جيجي سكاريا، بلا عنوان، 2020.

أثناء كتابة هذه المراسلة، فكّرتُ فيما قد يعنيه كل هذا الحديث عن التصنيع في حياة النساء المنتميات إلى الطبقات المنبوذة، اللواتي كثيرًا ما لا يكنّ موضوعًا للسياسة الصناعية. وتذكرتُ الشاعرة التاميلية سوكيرثاراني، التي رفضت جائزة من مجموعة أداني، قائلة إن موقفها من العالم “يتعارض مع مبادئي”. وهي شاعرة قوية تكتب ضد البطريركية ونظام الطبقات، وتمنحنا قصيدتها “منبع الطبيعة” إحساسًا بالتحرر الإنساني الكامل الذي ينبغي أن يكون في صميم كل تفكيرنا:

قلْ إنك تدفنني حيّة.
سأصبح حقلًا من العشب الأخضر
وأتمدد، أرضًا خصبة.
قد تُشعل النار فيّ؛
سأصبح طائرًا ملتهبًا
وأحلّق في الفضاء الواسع، الواسع.
قد تلوّح بعصًا سحرية
وتحبسني، جنيّةً في زجاجة؛
سأتبخر زئبقًا
وأنتصب في مواجهة السماء.
قد تذيبني في الريح
كما يذوب الماء في الماء؛
ومن كل جهة من جهاته
سأخرج، كالنَّفَس المنبعث.
قد تؤطرني، كصورة،
وتعلّقني على جدارك؛
سأنهمر إلى ما بعدك،
كنهرٍ في فيضانٍ مباغت.
سأصبح أنا نفسي
أرضًا
نارًا
سماءً
ريحًا
ماءً.
كلما قيّدتني أكثر، ازددتُ فيضًا،
منبع الطبيعة.

*نشرت هذه المراسلة لأول مرة باللغة الإنجليزية بتاريخ: 29 كانون الثاني/ يناير 2026.

مشاركة المقال

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

مقالات ذات صلة