نظامهم الدولي القائم على القواعد هو حكم المافيا: المراسلة 23 (2024)

مشاركة المقال

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

معهد القارات الثلاث للبحث الإجتماعي + مدار: 15 حزيران/ يونيو 2024*

فيجاي براشاد

صورة الواجهة: آنا سيغوفيا (المكسيك)، مصارع الثيران في هوابانغو، 2019.

إن الجلد هو أكبر عضو في جسم الإنسان، فهو يغطي جسدنا بالكامل، ويكون رقيقاً كقطعة من الورق في بعض الأماكن، وفي أماكن أخرى يصل سمكه إلى نصف سمك بطاقة الائتمان. وإن الجلد الذي يحمينا من جميع أنواع الجراثيم والعناصر الضارة الأخرى، هش وغير قادر على الدفاع عن الإنسان من الأسلحة الخطيرة التي صنعناها على مر الزمن، فالفأس غير الحاد القديم سيمزق الجلد بضربة قوية، في حين أن “القنبلة الغبية” من طراز MK-84 التي تزن 2000 رطل من صنع شركة جنرال ديناميكس، لن تمحو الجلد فحسب، بل جسم الإنسان بأكمله.

يواصل الجيش الإسرائيلي قصف الجزء الجنوبي من قطاع غزة، ولا سيما مدينة رفح، على الرغم من الأمر الصادر عن محكمة العدل الدولية في 24 أيار/مايو. وقامت إسرائيل في 27 مايو/أيار، وفي تجاهل صارخ لأمر المحكمة، بقصف مدينة خيام في رفح وقتلت خمسة وأربعين مدنياً. وقد صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن في 9 مارس/آذار بأن الهجوم الإسرائيلي على رفح سيكون “خطاً أحمر” بالنسبة له، ولكن – حتى بعد مجزرة الخيام هذه – أصرت إدارة بايدن على أنه لم يتم انتهاك هذا الخط.

سُئل منسق الاتصالات في وكالة الأمن القومي الأمريكي جون كيربي في مؤتمر صحفي عُقد في 28 مايو/أيار عن كيفية رد الولايات المتحدة الأمريكية في حال تسببت ضربة جوية نفذتها القوات المسلحة الأمريكية في مقتل خمسة وأربعين مدنياً وإصابة مائتي آخرين. أجاب كيربي: “لقد قمنا بضربات جوية في أماكن مثل العراق وأفغانستان، حيث تسببنا بشكل مأساوي في سقوط ضحايا مدنيين، لقد فعلنا الشيء نفسه”. لقد اختارت واشنطن أن تقدم اعترافاً مذهلاً للدفاع عن المذبحة الإسرائيلية الأخيرة. وبالنظر إلى أن محكمة العدل الدولية قد حكمت بأنه من “المعقول” أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، فهل يمكن القول إن الولايات المتحدة مذنبة بالشيء نفسه في العراق وأفغانستان؟

فيكري غبريسوس (إريتريا)، خريطة/ لوحة، 1999.

بدأت المحكمة الجنائية الدولية في عام 2006 بتقييم احتمالية ارتكاب جرائم حرب في العراق وأفغانستان، وفتحت المحكمة في عامي 2014 و2017 على التوالي تحقيقات رسمية في الجرائم المرتكبة في كلا البلدين. ومع ذلك، لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأمريكية من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي لعام 2002، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، وبدلاً من التوقيع على النظام الأساسي، أصدر الكونغرس الأمريكي قانون حماية أعضاء الخدمة الأمريكية – المعروف بشكل غير رسمي باسم “قانون لاهاي للغزو” – الذي يخول الحكومة الأمريكية قانوناً “استخدام جميع الوسائل اللازمة” لحماية قواتها من المدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية. وبما أن المادة 98 من نظام روما الأساسي لا تلزم الدول بتسليم الأفراد المطلوبين إلى طرف ثالث إذا كانت قد وقعت اتفاقية حصانة مع ذلك الطرف، فقد شجعت الحكومة الأمريكية الدول على توقيع “اتفاقيات المادة 98” لمنح قواتها الحصانة من الملاحقة القضائية. ومع ذلك، فإن هذا لم يمنع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا (التي شغلت المنصب من 2012-2021) من دراسة الأدلة وإصدار تقرير أولي في عام 2016 حول جرائم الحرب في أفغانستان.

انضمت أفغانستان إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2003، مما منح المحكمة وبنسودا صلاحية إجراء تحقيقاتها. وعلى الرغم من توقيعها على اتفاقية المادة 98 مع أفغانستان في عام 2002، إلا أن الحكومة الأمريكية هاجمت بشدة تحقيق المحكمة وحذرت بنسودا وعائلتها من أنهم سيواجهون تداعيات شخصية إذا استمرت في التحقيق. وألغت الولايات المتحدة تأشيرة دخول بنسودا في أبريل 2019. وبعد ذلك بأيام، أصدرت لجنة من قضاة المحكمة الجنائية الدولية حكماً ضد طلبها بالمضي قدماً في التحقيق في جرائم الحرب في أفغانستان، مشيرةً إلى أن مثل هذا التحقيق “لن يخدم مصلحة العدالة”.

وكان الموظفون في المحكمة الجنائية الدولية مستائين من قرار المحكمة ومتحمسين للطعن فيه لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على دعم القضاة. وقدمت بنسودا طلبا لاستئناف قرار المحكمة بعدم متابعة التحقيق في جرائم الحرب في أفغانستان في حزيران/ يونيو 2019. وقد انضمت إلى بنسودا في استئنافها مجموعات مختلفة من أفغانستان، بما في ذلك جمعية أسر الضحايا الأفغان ومنظمة علوم الطب الشرعي الأفغانية. وفي سبتمبر 2019، قضت الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية بإمكانية المضي قدماً في الاستئناف.

داون أوكورو (نيجيريا)، القيام بذلك، 2017.

استشاطت الحكومة الأمريكية غضباً، ووقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأمر التنفيذي رقم 13928، الذي أجاز لحكومته تجميد أصول مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية ومنعهم وعائلاتهم من دخول الولايات المتحدة في 11 حزيران/يونيو 2020. وفي سبتمبر/أيلول 2020، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على بنسودا، وهي مواطنة من غامبيا، والدبلوماسي البارز في المحكمة الجنائية الدولية فاكيسو موشوشوكو، وهو مواطن من ليسوتو. وكانت نقابة المحامين الأمريكية قد أدانت هذه العقوبات، لكن لم يتم إلغاؤها.

ألغت الحكومة الأمريكية العقوبات أخيراً في أبريل 2021، بعد أن غادرت بنسودا منصبها وحل محلها المحامي البريطاني كريم خان في فبراير 2021. في سبتمبر/أيلول 2021، قال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان إنه بينما سيواصل مكتبه التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها حركة طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان، إلا أنه “سيقلل من أولوية الجوانب الأخرى من هذا التحقيق”. وتعني هذه الصياغة المحرجة ببساطة أن المحكمة الجنائية الدولية لن تحقق بعد الآن في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة وحلفاؤها من حلف شمال الأطلسي. لقد تم إخضاع المحكمة الجنائية الدولية بما فيه الكفاية.

ألكسندر نيكولاييف، المعروف أيضًا باسم أوستو مؤمن (الاتحاد السوفيتي)، الصداقة، الحب، الخلود، 1928.

وقد أظهر المدعي العام خان مرة أخرى تطبيقه الجزئي للعدالة وإخلاصه للنخب الحاكمة في الشمال العالمي عندما سارع إلى التدخل في النزاع في أوكرانيا وبدأ التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها روسيا بعد أربعة أيام فقط من غزوها في شباط/ فبراير 2022. وسيتقدم خان في غضون عام بطلب إصدار مذكرات اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومفوضته لحقوق الطفل ماريا لفوفا بيلوفا، والتي صدرت في آذار/ مارس 2023. وعلى وجه التحديد، وجهت إليهما تهمة التواطؤ لاختطاف الأطفال من دور الأيتام ودور رعاية الأطفال الأوكرانية ونقلهم إلى روسيا، حيث – كما زُعم – تم “منح هؤلاء الأطفال للتبني”، وقال خان إن أوكرانيا “مسرح جريمة”.

لن يستخدم خان مثل هذه الكلمات عندما يتعلق الأمر بالاعتداء الإسرائيلي القاتل على الفلسطينيين في غزة. وحتى بعد مقتل أكثر من 15 ألف طفل فلسطيني (بدلاً من “تبنيهم” من منطقة حرب)، لم يلاحق خان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومرؤوسيه العسكريين بمذكرات اعتقال. وعندما زار إسرائيل في تشرين الثاني/ نوفمبر – كانون الأول/ ديسمبر 2023، حذر من “التجاوزات” لكنه أشار إلى أنه بما أن “إسرائيل لديها محامون مدربون يقدمون المشورة للقادة”، فبإمكانهم منع أي انتهاكات مروعة للقانون الإنساني الدولي.

أجبر الحجم الهائل للوحشية الإسرائيلية في غزة المحكمة الجنائية الدولية على تناول هذه القضية أخيراً في مايو/أيار 2024. وقد دفعت الأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية، والغضب الذي أعربت عنه العديد من حكومات دول الجنوب، والاحتجاجات المتتالية في بلد تلو الآخر، المحكمة الجنائية الدولية إلى التحرك. فعقد خان مؤتمراً صحفياً في 20 أيار/مايو قال فيه إنه قدم طلبات اعتقال قادة حماس يحيى السنوار ومحمد دياب إبراهيم المصري وإسماعيل هنية ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ورئيس جيشه يوآف غالانت. وقال المدعي العام الإسرائيلي غالي بهاراف-ميارا إن اتهامات المحكمة الجنائية الدولية ضد نتنياهو وغالانت “لا أساس لها من الصحة” وأن إسرائيل لن تمتثل لأي مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية. وكانت إسرائيل – مثل الولايات المتحدة – قد رفضت على مدى عقود أي محاولة لتطبيق القانون الدولي الإنساني على أفعالها. ولطالما وفّر “النظام الدولي القائم على القواعد” الحصانة للولايات المتحدة وحلفائها المقربين، وهي حصانةٌ انكشف نفاقها بشكل متزايد. وهذه الازدواجية في المعايير هي التي تسببت في انهيار النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

أيوب امداديان (إيران)، شتلة الحرية، 1973.

وكان في البيان الصحفي الذي أدلى به خان جزءاً مثيرا للاهتمام: “أصر على أن جميع محاولات إعاقة أو ترهيب أو التأثير بشكل غير لائق على مسؤولي هذه المحكمة يجب أن تتوقف على الفور”. وقد نشرت صحيفة الغارديان – بالتعاون مع دوريات أخرى – تحقيقاً بعد ثمانية أيام (في 20 مايو/أيار) كشف عن استخدام إسرائيل “وكالات الاستخبارات الإسرائيلية للمراقبة والاختراق والضغط والتشويه والتهديد المزعوم لكبار موظفي المحكمة الجنائية الدولية في محاولة لعرقلة تحقيقات المحكمة”. وقد قام يوسي كوهين، الرئيس السابق لوكالة التجسس الإسرائيلية، الموساد، بمضايقة وتهديد بنسودا (سلف خان) شخصياً، محذراً إياها: “لا تريدين أن تتورطي في أمور قد تعرض أمنك أو أمن عائلتك للخطر”. أشارت صحيفة الغارديان، علاوة على ذلك، إلى أنه “بين عامي 2019 و2020، كان الموساد يسعى بنشاط للحصول على معلومات مساومة عن المدعية العامة واهتم بأفراد عائلتها”. و”اهتموا” هي طريقة ملطفة للقول بجمع معلومات عن عائلتها – بما في ذلك من خلال عملية كيدية ضد زوجها فيليب بنسودا – لابتزازها وتخويفها. هذه هي تكتيكات المافيا المبتذلة.

حامد عبد الله (مصر)، ضمير الأرض، 1956.

قرأت أثناء متابعتي لقصص الدم والقانون هذه، قصائد جزرا خالد المولود في الشيشان والذي يكتب باليونانية في أثينا. أوقفتني قصيدته “شفاه سوداء”، إذ كانت المقاطع الأخيرة قوية وكئيبة:

تعالوا دعوني أجعلكم بشراً،
أنتم، سيادتكم، الذين تمسحون الذنب من لحاكم
أنتم، الصحفيون المرموقون، الذين تتحدثون عن الموت
أنتن، السيدات الخيريّات، اللواتي تربتن على رؤوس الأطفال دون الانحناء
وأنتم الذين تقرؤون هذه القصيدة، تلعقون أصابعكم—
أقدم لكم جميعاً جسدي للإنحناء
صدقوني يوماً ما ستعبدونني مثل المسيح

لكنني آسف لك يا سيدي— أنا لا أفاوض مع المحاسبين المستأجرين للكلمات
مع نقاد الفن الذين يأكلون من يدي
يمكنكم، إذا رغبتم، غسل قدمي
لا تأخذوا الأمر على محمل شخصي

لماذا أحتاج إلى الرصاص إذا كانت هناك الكثير من الكلمات
مستعدة للموت من أجلي؟

ما هي الكلمات التي تموت ببطء؟ العدالة، ربما، أو حتى الإنسانية؟ كلمات كثيرة تُلقى لتهدئة المذنبين وإرباك الأبرياء. لكن هذه الكلمات لا يمكنها أن تحجب كلمات أخرى، كلمات تصف الفظائع وتطالب بالإنصاف.

نوريتا كورتيناس، 1930-2024.

الكلمات مهمة، وكذلك الأشخاص، مثل غوستافو كورتيناس، الذي اعتقلته الديكتاتورية العسكرية الأرجنتينية في 15 أبريل/نيسان 1977، ولم يره أحد مرة أخرى. أصبح واحداً من بين 30 ألف شخص قتلهم الجيش بين عامي 1976 و1983. وفي 30 أبريل/نيسان، بعد أسبوعين من اعتقال غوستافو، انضمت والدته نورا كورتينياس (أو نوريتا كما كانت تُعرف بحب)، إلى أمهات المختفين الأخريات للاحتجاج أمام دار الحكومة “كازا روسادا” في ساحة مايو في بوينس آيرس، في أول مظاهرة في ما أصبح حدثاً منتظماً.

كانت نوريتا من مؤسسي “أمهات ساحة مايو” التي حطمت بشجاعة جدار الكلمات المضللة التي كانت تخرج من أفواه المجلس العسكري. وعلى الرغم من عدم العثور على ابنها أبداً، إلا أن نوريتا وجدت صوتها في البحث عنه – صوتها الذي كان يُسمع في كل مظاهرة من أجل العدالة، وتحدثت بإحساس كبير عن الألم في العالم حتى الأسابيع التي سبقت وفاتها في 31 أيار/ مايو. وقالت في رسالة مصورة في عام 2020: “نقول لا لضم فلسطين”، “نحن نعارض أي إجراء يميل إلى محو هوية الشعب الفلسطيني ووجوده”.

تتركنا نوريتا بكلماتها الثمينة:

بعد سنوات عديدة من الآن، أود أن يتذكرني الناس كامرأة أعطت كل ما لديها حتى نحظى بحياة أكثر كرامة… أود أن يتذكروني بتلك الصرخة التي أقولها دائماً والتي تعني كل ما أشعر به بداخلي، تعني الأمل في أن يأتي يوم ما ذلك العالم الآخر الممكن، عالم للجميع. لذا، أودّ أن يتذكرني الناس بابتسامة وأن أصرخ بصوت عالٍ: سننتصر، سننتصر، سننتصر، سننتصر!

*نشرت هذه المراسلة لأول مرة باللغة بالإنجليزية بتاريخ 06 حزيران/ يونيو 2024.

مشاركة المقال

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

مقالات ذات صلة