معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي/ مدار: 28 آب/ أغسطس 2025
فيجاي براشاد
صورة: فرانسيسكو فيدال جونيور (أنغولا)، بدون عنوان، 1996.
في 12 أغسطس/آب، نشرت سمر أبو العوف، الحائزة على جائزة الصورة الصحفية العالمية لعام 2025 عن الصورة أسفله، على حسابها في إنستغرام أن صديق ابنها المقرب، سامي شكور، قُتل حين “ذهب ليبحث عن طحين ليطعم نفسه وعائلته”. كانت سمر قد التقطت صور تخرج سامي قبل بدء الإبادة الجماعية في أكتوبر/تشرين الأول 2023. تمتلك عائلة سامي إحدى أشهر الشركات في فلسطين، التي كانت تصنع الحلاوة بالطحينة. كتبت سمر: “من بين الأفضل في غزة”. وأضافت أن سامي “قُتل تحت وابل من الرصاص؛ كان الصوت مرعبًا جدًا… لسنا مجرد أرقام؛ فكل واحد منا حكاية”.

لقد دخلنا الآن الربع الأخير من عام 2025، والأيام تمر بسرعة نحو عام آخر. صورة أن تكون مطاردا بالخيول ليست عبثية، فهذه ليست الخيول البرية البديع جمالها في المروج – هذه خيول نهاية العالم.
أينما ولينا وجهنا، نشتم رائحة اليمين المتطرف ذي الطابع الخاص على أبواب السلطة، يمتطي قادته خيولهم بأقصى سرعة. ليس لدى أي من هؤلاء القادة برامج لحل أزماتنا؛ بل يصبون الزيت على النار، يؤججون نيران الجحيم لتحترق أسرع وأشد. إنهم ينكرون وجود تغير المناخ وأهمية الكرامة الإنسانية. يريدون تعميق التقشف وتشجيع الحرب. يروجون لللاعقلانية والاختناق الاجتماعي.
يشعر ذوي الضمائر الحية في كل العالم بالهلع من صعود هذا اليمين المتطرف وجذبه لقطاعات واسعة من مجتمعاتنا. في معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي، درسنا نمو هذا اليمين المتطرف.
لقد استقصينا كيف أن قاعدته السياسية متجذرة في المجتمع، وفي نمو المؤسسات والمجموعات الأخرى التي تفضل توجهه السياسي – مثل الأشكال الجديدة من الشراكة الدينية والاقتصادات غير المهيكلة – وفي انهيار المنظمات الطبقية في مجتمعات الطبقة العاملة والفلاحين. جزء من استنتاجنا هو أن الانهيار السياسي للديمقراطيين الاجتماعيين والليبراليين بسبب تبنيهم لسياسات التقشف النيوليبرالية قد خلق الظروف للقاعدة الجماهيرية لليمين المتطرف.
بدون الاعتراف بهذه الحقيقة، وبدون تجديد أجندتهم السابقة للنيوليبرالية، لا يمكننا أن نتوقع أن يكون الديمقراطيون الاجتماعيون والليبراليون حلفاء مهمين في الكفاح ضد اليمين المتطرف ذي الطابع الخاص.
لقد اندهشت من فشل الديمقراطيين الاجتماعيين والليبراليين في جميع أنحاء العالم في إجراء هذا النوع من التجديد، وبفشل الليبراليين في الشمال العالمي بشكل خاص في وقف دعمهم للإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، فكتبت “رسالة”، أشاركها أدناه، إلى أولئك الذين ما زالوا ملتزمين بهذه القوى الاجتماعية، وهي موجهة إلى الديمقراطيين الاجتماعيين والليبراليين، إلى الأشخاص الذين يبقون في أحزاب تحمل أسماء يهينونها – حزب العمال (في المملكة المتحدة)، وحزب الخضر (في ألمانيا)، والحزب الديمقراطي (في الولايات المتحدة)، والحزب الليبرالي (في اليابان).

لقد تخليتم عن أي دور “محايد” محدود للدولة في الصراع الطبقي بين الرأسماليين والعمال. أصبحت الأوليغارشية هي من يدير الدولة، بقواعد قانونية محدودة وحقوق عمالية شبه منعدمة.
لقد شاهدت كيف أشعلت الأوليغارشية النار في المجتمع، ففككت المصانع القديمة، وأرسلت الآلات إلى بلدان فيها اليد العاملة أرخص، وجنت المال من أراضي المصانع عبر المضاربة. لم تعد هناك وظائف في الأرض القاحلة، بل وظائف خدمية لتلبية نزوات الأوليغارشية، وفرص شغل مؤقتة على طريقة “أوبر” لتقديم خدمات متوسطة الجودة لبعضنا البعض.
لقد دعوتم الدولة إلى خفض الضرائب وتقليص خدماتها الاجتماعية في نفس الوقت الذي زادت فيه البطالة والفقر. لقد تحللت الأفكار الليبرالية القديمة، التي كانت تدعو إلى مساعدة المستضعفين، في حمض الفردانية والطموح الشخصي، فالأموال التي كانت تُنفق على الرعاية الاجتماعية تبخرت الآن في الأسواق المالية من أجل سباق الأوليغارشيين ليصبحوا أول تريليونيرات. ما كان يمكن إعادة تدويره من خلال النظام الضريبي أصبح الآن غارقًا في أسواق المال الشبيهة بالكازينوهات، حيث تخفي صيحات وبهرجة الأثرياء عويل الفقراء.
لقد شجعتم الدولة على بناء ارتباطها الشرير بتجار السلاح وبضائعهم. الأسلحة تلتهم الالتزامات تجاه المجتمع، وتقطع أي روابط وعدت بها الدولة الحديثة مواطنيها. هناك عائلات في الشوارع تتسول الطعام، ثم فوقهم في غرف مجالس الإدارة تُعقد صفقات قبيحة بأموال الشعب وشركات الأسلحة. إن قيم الشعب ليست في دساتيره – التي أفرغت من مضمونها – بل في ميزانياته، المنحازة بشدة للأسلحة لدرجة أنه لم يتبق شيء تقريبًا للرعاية الاجتماعية.

لقد سمحتم بنمو ثقافة القسوة، والسلوك الوحشي للشرطة تجاه المواطنين، ومن الرجال الغاضبين ضد النساء، ومن كلب الجوع ضد صرخة البطن الجائع. كل هذا أصبح الآن عاديا – طبيعة الحضارة الحديثة. لقد شجعتموه. لقد أذنتم به. لقد اختبأتم وراء مواقفكم الاجتماعية، وليبراليتكم تجاه هذا السلوك الاجتماعي أو ذاك، وظهوركم الشكلي في مسيرة فخر أو في نزهة اليوم العالمي للمرأة، لكنكم لا تهتمون بالمثلي الذي يموت من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز ولا يستطيع الحصول على الأدوية، أو المرأة التي لا تملك مأوى تذهب إليه مع أطفالها عندما يصبح منزلها لا يطاق.

لقد انهارت ليبراليتكم. لا يوجد فلاسفة ليبراليون بل بالكاد مجرد محللين، بوصلتهم الأخلاقية محاصرة في جدال أكاديمي لا علاقة له بهذا العالم. مفكروكم وُجدوا من أجل التلفزيون، ومستحضرات التجميل الموضوعة على وجوههم وضعت لمنع الضوء من أن يشرق عليهم، وكذا لمنع نور العقل من أن يخرج من أفواههم. ليبراليتكم مجرد إشهار دعائي، وليست فلسفة.
كانت الثقافة الفاشية الكلاسيكية ميتة. كانت ثقافة مجد زائف وعنف حقيقي. لقد شكلت قطيعة حقيقية مع الثقافة الليبرالية التي سبقتها، وقطيعة مع ثقافة الطبقة العاملة والفلاحين التي نمت قوتها عبر عقود من النضال وبناء المؤسسات. أما ثقافة اليمين المتطرف ذي الطابع الخاص، من ناحية أخرى، فهي انكسار للثقافة النيوليبرالية. ليس لديه ثقافة خاصة به بل هي نسخة طبق الأصل، مرآة محطمة لأوهام ورغبات النيوليبرالية، وتضخيم للرغبة. ترامب ليس هتلر، بل مضيف برنامج “ذي سيليبريتي أبرينتس”، وشعاره هو: “أنت مطرود!”.
إن الشمال العالمي، بؤرة اليمين المتطرف ذي الطابع الخاص، مغدق في الانحطاط والخطر. لا توجد فلسفة جديدة تنبع منه. ليس لديه مثقفون يقودونه، ولا حتى من طراز المثقفين النازيين مثل إرنست كريك، أو مارتن هايدغر، أو كارل شميت. إنه خطير لأنه يقود جيشًا لديه القدرة على تدمير العالم: ما يقرب من 80% من الإنفاق العسكري العالمي يقوم به الشمال العالمي وحلفاؤه في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع امتلاك الولايات المتحدة لأكثر من 900 قاعدة عسكرية، الكثير منها على الأراضي الأوروبية.
إن القيادة المشكلة من ليبراليي الشمال العالمي وديمقراطييه الاجتماعيين أمل زائف. يجب أن نبحث عن القيادة في أنفسنا، في تقاليدنا وحركاتنا. نحن نناضل لإعادة الحيوية إلى ثقافاتنا، لتعميق نظرياتنا وفلسفاتنا الخاصة، للبحث عن المراجع بين مفكرينا. هذا نضال أعمق من النضال الانتخابي وحده. يجب أن نبني ثقتنا لرفض المجد القومي الأجوف والملابس المستعارة التي تأتينا من ليبرالية الشمال العالمي الملطخة. إن اليمين المتطرف مرعب، لكنه مجرد درجة أكثر فظاعة من الليبراليين التكنوقراط ودعاة الحرب من حزب الخضر الذين يفضلون إنفاق المزيد من الأموال على الجيوش ومدفوعات الديون بدلاً من احتياجات الإنسانية.