مدار: 21 شباط/ فبراير 2026
لم يعد توصيف ما يجري في الفاشر يقتصر على “جرائم حرب” أو “انتهاكات” عشوائية، بل ارتقى وفقاً لأحدث التحقيقات الأممية إلى مستوى “الإبادة الجماعية”.
وقدم تقرير صادر عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، بتاريخ 19 شباط/ فبراير 2026، تشريحاً دقيقاً لما وصفه بحملة تدمير منسقة نفذتها قوات الدعم السريع ضد المجتمعات غير العربية، واضعاً المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية لمنع تكرار المأساة مع تمدد الصراع.
وخلص التقرير المقدم لمجلس حقوق الإنسان، أن ما حدث لم يكن نتاجاً للفوضى المعتادة في الحروب، بل كان عملية منظمة ومخططاً لها بعناية.
وأكد رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، أن نطاق العملية وتنسيقها يكشفان عن نية مبيتة تتجاوز التجاوزات العسكرية التقليدية.
واستندت البعثة الأممية إلى نمط منهجي تضمن ثلاثة أركان رئيسية لجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي: قتل أفراد من جماعة محمية، إحداث ضرر جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدمير المجموعة كلياً أو جزئياً. وقد تركزت هذه الأفعال بشكل حصري ضد مجتمعات الزغاوة والفور، مما يجعل “نية الإبادة الجماعية” هو الاستنتاج المعقول الوحيد لما جرى، يوضح التقرير.
ويكشف التحقيق عن تكتيك عسكري وحشي سبق عمليات القتل المباشر، تمثل في حصار خانق استمر 18 شهراً حول الفاشر، بغية إضعاف السكان المستهدفين بشكل منهجي عبر التجويع والحرمان والصدمات.
وعندما حانت لحظة الهجوم في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر، كان السكان منهكين جسدياً، يعانون من سوء التغذية، وغير قادرين على الفرار أو المقاومة.
وهكذا، انتقلت القوات المهاجمة من مرحلة الحصار إلى مرحلة التنفيذ المباشر، عبر ما وصفه التقرير بـ”ثلاثة أيام من الرعب المطلق”، شهدت مقتل واغتصاب واختفاء الآلاف، وخاصة من عرقية الزغاوة.
العنف الجنسي كسلاح للتطهير
ووثقت البعثة الاستخدام الممنهج للعنف الجنسي كأداة للإبادة، إذ تشير الشهادات إلى استهداف انتقائي؛ حيث تعرضت نساء وفتيات الزغاوة والفور لاغتصاب واسع النطاق وجماعي، بينما تم تجنيب النساء اللاتي يُنظر إليهن على أنهن عربيات.
رافق هذه الجرائم خطاب كراهية عنصري صريح، حيث نقل ناجون عبارات رددها المهاجمون مثل: “هؤلاء عبيد.. اقتلوهم، دمروهم، اغتصبوهم”، ويؤكد هذا هذا الفرز العرقي للضحايا في جرائم الاغتصاب الغرض التمييزي والتدميري للعنف.
وكانت أشادت قيادة الدعم السريع بما حدث في الفاشر واعتبرته “نصراً عسكرياً كبيراً وتاريخياً”، مبررة الهجوم بأنه “تحرير” للمدينة من “الجيش الإسلامي الإرهابي”.
وقد صرح مقاتلو قوات الدعم السريع علنا بنيتهم استهداف المجتمعات غير العربية والقضاء عليها. ونقل ناجون عنهم قولهم: “هل يوجد بينكم أي شخص من الزغاوة؟ إذا وجدنا زغاوة، فسنقتلهم جميعا”؛ “نريد القضاء على كل ما هو أسود في دارفور”.
ومثل هذا التقرير الأممي إنذارا جديدا للمجتمع الدولي بأن خطر وقوع مزيد من أعمال الإبادة لا يزال قائماً وخطيراً، خاصة مع امتداد الصراع إلى منطقة كردفان، وفي ظل غياب أي إجراءات وقائية أو مساءلة فعالة.

