غلوبتروتر/ مدار: 23 آذار/ مارس 2026
بقلم: فيجاي براشاد
نادرًا ما تُحسَم الحروب في ساحة المعركة وحدها. يمكن للحملات العسكرية أن تدمر المدن وتقتل أعدادًا كبيرة من الناس، لكن المآلات السياسية تتحدد بالصمود، والشرعية، والتيارات التاريخية التي تجري تحت العنف المباشر. وبينما قد تُنتج الحرب التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الشعب الإيراني انتصارات تكتيكية لإسرائيل والولايات المتحدة، فإن الميدان السياسي يروي قصة مختلفة. لقد خسرت إيران بنية تحتية وأرواحًا، لكن من المرجح أن تنتصر سياسيا في الحرب.
1. تغيير النظام: بدا أن الهدف المركزي للحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية هو زعزعة استقرار النظام أو تغييره. غير أن التقييمات المبكرة الصادرة عن أجهزة الاستخبارات الأميركية تُظهر أنه على الرغم من اغتيال قادة سياسيين كبار، فإن النظام السياسي لم ينهَر. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من القصف المكثف، لم يحدث أي تمرد داخلي. بل يبدو أن الحرب قد عززت الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري الإسلامي الإيراني.
يُظهر لنا التاريخ أنه عندما تتعرض أمة، ولا سيما أمة لها تاريخ من الاعتزاز الوطني مثل إيران، لهجوم من الخارج، فإن الاعتبارات السياسية الداخلية تتراجع مؤقتًا لأن مسألة السيادة تصبح ذات أولوية قصوى. وهذا يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تملكان أي نهاية سياسية حقيقية لهذه الحرب.
متى يتوقفون عن القصف؟ في 9 آذار/ مارس، قال ترامب إن إيران “لا تملك بحرية، ولا اتصالات، وليس لديها قوة جوية. وصواريخها باتت متناثرة. وتُدمَّر طائراتها المسيّرة في كل مكان”. فإذا لم تعد لدى إيران أي قدرة عسكرية، فلماذا لا يغزون إيران ويُسقطون ما تبقى من الدولة؟ من الواضح أن ذلك ليس مطروحًا. ولم يبقَ هدف تغيير النظام سوى حلمٍ لدى الأوليغارشية الإيرانية السابقة في المنفى ولدى الحكومة الإسرائيلية.
2. القوة اللامتناظرة. طيلة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، أضعف الجيش الإسرائيلي قوات “محور المقاومة” عبر لبنان وسوريا (بما في ذلك السماح لقائد سابق لتنظيم القاعدة بأن يصبح رئيسًا لسوريا، والذي منح إسرائيل لاحقًا حقوق التحليق لقصف إيران). وافترضت إسرائيل والولايات المتحدة معًا أن ذلك يعني أن إيران لم تعد تملك أفضلية هذا “المحور المقاوم” لضرب إسرائيل ردًا على قصف إيران. غير أن “محور المقاومة” ليس مجرد تحالف عسكري؛ بل هو أيضًا متجذر في الثقافة السياسية.
أظهرت لي رحلاتي خلال العقد الماضي عبر أحياء الطبقة العاملة – ذات الغالبية الشيعية – في جنوب لبنان وفي سوريا (بما في ذلك حي لافت في ريف حلب) أن هذه المناطق تتمتع بألفة ثقافية قوية مع القيادة الدينية والسياسية الإيرانية. وتُدرِج هذه الصلة إيران ضمن معركة سياسية أوسع ضد إسرائيل والولايات المتحدة، مما يعقّد البيئة الاستراتيجية ويرفع كلفة التصعيد. وليس الصراع حربًا بسيطة بين دولتين، بل هو جزء من تنافس أوسع على مستقبل غرب آسيا يشمل طيفًا من الجماعات السياسية والاجتماعية غير المستعدة للسماح للولايات المتحدة وإسرائيل بالانتصار في إيران.
3. المشكلات الدبلوماسية. بدأت الحرب الأميركية-الإسرائيلية بهجوم أسفر عن مقتل 165 فتاة في مدرسة ابتدائية. وقالت إريكا جيفارا-روساس من منظمة العفو الدولية إن هذا “الهجوم المروّع على مدرسة، بفصول دراسية مكتظة بالمدنيين، يشكّل تجسيدًا مقززًا للثمن الكارثي والمتوقَّع تمامًا الذي يدفعه المدنيون خلال هذا النزاع المسلح”. وقد دمّرت الهجمات بنى تحتية مدنية مهمة، مثل المستشفيات ومنشآت الطاقة، وأدت إلى مشكلات خطيرة في الحياة اليومية في أنحاء إيران. وبما أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا هذا القصف في وقت بدا فيه وكأن هناك اختراقًا في المفاوضات، فإن الحكومات والشعوب في أنحاء العالم بات لديها الآن مثال آخر على استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية الساحقة بدلًا من الدبلوماسية. وهذه الصورة مهمة لأن الشرعية العالمية قد تحولت الآن، ولأن دولًا مثل الصين وروسيا ترفض عزل إيران. ويبدو أن روسيا قد نقلت جوًا الزعيم الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، إلى موسكو لتلقي العلاج من إصابات تعرض لها أثناء القصف – في إشارة إلى دوام العلاقات بين البلدين.
4. الجغرافيا الاستراتيجية. لقد أدت قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز – الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي – إلى اضطرابات في الاقتصاد العالمي بأسره. فقد ارتفع خام برنت، وهو المؤشر المعتمد لأسعار النفط، إلى أكثر من 100 دولار أميركي، وارتفعت بسرعة تكاليف نقل ناقلات النفط وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، كما باتت الأسمدة التي تمر عبر المضيق عالقة الآن، وهو ما ستكون له آثار هائلة على الزراعة العالمية.
تمنح القدرة الجغرافية لإيران على إغلاق المضيق ورقة ضغط لا تمتلكها إلا قلة من الدول. وتبذل الولايات المتحدة الآن جهودًا يائسة لحمل أي دولة على ممارسة الضغط على إيران – عسكريًا ودبلوماسيًا – لإعادة فتح المضيق، لكن قلةً فقط تبدو مهتمة بذلك. فالصين، على سبيل المثال، فتحت محادثات ثنائية مع إيران للسماح لسفنها بالمرور، ثم دعت إلى خفض التصعيد؛ كما رفض حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، فضلًا عن الدول الأوروبية، المشاركة في هذه المغامرة العسكرية.
5. حدود القوة العسكرية. تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة ضرب المنشآت والبنى التحتية الإيرانية، لكنهما لا تستطيعان غزو بلد يبلغ عدد سكانه نحو 100 مليون نسمة، وسيقاوم كثيرون منهم الاحتلال مقاومة فعلية. وسيؤدي مثل هذا الغزو البري إلى إشعال حريق إقليمي واسع سيجرّ العراق واليمن، حيث لا يزال الوضع هادئًا إلى حد كبير.
لم تُظهر الهجمات القليلة في العراق بعدُ نوع الدعم الذي ستحصل عليه إيران هناك إذا وقع غزو بري أميركي وإسرائيلي. وتُظهر تجربة العراق (2003) وليبيا (2011) أنه من السهل تدمير مكتب الرئيس، لكن من الأصعب تفكيك النظام السياسي من دون فوضى. وهنا تصطدم الهيمنة العسكرية بالواقع السياسي. يمكن للقوة الجوية أن تدمر البنى التحتية، لكنها لا تستطيع محو أيديولوجيا سياسية أو تفكيك دولة ما دامت تحتفظ بتماسك داخلي.
6. مستقبل الأسلحة النووية. لقد دمّر الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل في تموز/يوليو 2025 المنشآت النووية الإيرانية تدميرًا كاملًا؛ وكان ترامب قال آنذاك: “المحو التام وصف دقيق!”. لكن ما لم يُزل من البلاد كان المخزون البالغ 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب. وهذا يوفّر أساسًا لبرنامج أسلحة نووية إذا قررت إيران أن تغيّر رأيها بشأن ضرورة الردع بالأسلحة النووية. والتاريخ الحديث للانتشار النووي غني بالدلالات: ففي عام 1994، وقّعت جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (كوريا الشمالية) الإطار المتفق عليه لتجميد برنامجها النووي القائم على البلوتونيوم. ثم بعد أن صعّد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في عام 2001 خطاب تغيير النظام (بعبارة “محور الشر”)، انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة عدم الانتشار في عام 2003. ثم حدث اختراق دبلوماسي في المحادثات السداسية عام 2006، تلاه قيام الولايات المتحدة بتجميد 25 مليون دولار أميركي من أموال كوريا الشمالية، وهو ما قاد إلى التجربة النووية في تشرين الأول/ أكتوبر 2006. وقد تؤدي هاتان الحربان (2025 و2026) المفروضتان على إيران إلى كسر التعهد بعدم اختبار أسلحة نووية، وإلى تطوير سلاح نووي إيراني.
ستخرج إيران من هذه الحرب وقد تضررت بنيتها التحتية، وتحت ضغط اقتصادي شديد، ومع عائلات مدمَّرة بسبب فقدان الأرواح والأطراف. لكن الحروب لا تُقيَّم بالدمار وحده. بل تُقيَّم بما إذا كانت الأهداف السياسية قد تحققت.
لن تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل أيًا من أهدافهما الحربية. وكثيرًا ما يقدّم التاريخ مثل هذه المفارقات. تدخل الإمبراطوريات في الحروب وهي واثقة من تفوقها العسكري، لتكتشف لاحقًا أن الشرعية السياسية، واللّحمة الوطنية، والجغرافيا الاستراتيجية، هي قوى لا تستطيع القنابل أن تهزمها بسهولة.
فيجاي براشاد: مؤرخ وصحافي هندي. وهو مؤلف أربعين كتابًا، من بينها Washington Bullets، وRed Star Over the Third World، وThe Darker Nations: A People’s History of the Third World، وThe Poorer Nations: A Possible History of the Global South، وHow the International Monetary Fund Suffocates Africa، الذي كتبه بالاشتراك مع غريف تشيلوا. وهو المدير التنفيذي لمعهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي، وكبير المراسلين في Globetrotter، ورئيس تحرير LeftWord Books (نيودلهي). كما ظهر في فيلمي Shadow World (2016) وTwo Meetings (2017).
أنتجت هذا المقال بواسطة “Globetrotter“.

