معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي/ مدار: 16 كانون الأول/ ديسمبر 2025*
فيجاي براشاد
في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء بيناراي فيجايان أن ولاية كيرالا الواقعة جنوب غربي الهند – التي يقطنها 34 مليون نسمة – أصبحت خالية من الفقر المدقع.
كيرالا هي واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي قضت على الفقر المدقع، بعد الصين، التي أعلنت في عام 2022 أنها قضت على الفقر المدقع في جميع أنحاء البلاد.

إنجاز كيرالا مهم لسببين. أولاً، في بلد لا يزال مئات الملايين فيه يعيشون في فقر، تُعد كيرالا الوحيدة من بين ثماني وعشرين ولاية وثماني أقاليم اتحادية في الهند التي تغلبت على الفقر المدقع. ثانيًا، تحكم كيرالا “الجبهة الديمقراطية اليسارية” (LDF) بقيادة شيوعية، وبالتالي تُحرم بشكل روتيني من المساعدة من طرف الحكومة المركزية التي يقودها “حزب بهاراتيا جاناتا” اليميني (حزب الشعب الهندي).
بُني مشروع القضاء على الفقر المدقع في كيرالا (Athidaridrya Nirmarjana Paripaadi) على عقود من نضالات العمال والفلاحين، التي أسست مؤسسات عامة قوية ومنظمات ذات طبيعة جماهيرية، وعلى عمل العديد من الإدارات اليسارية. أُطلق مشروع القضاء على الفقر المدقع (EPEP) من قبل فيجايان – وهو قيادي في الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) – خلال اجتماع مجلس الوزراء الأول لحكومة الجبهة الديمقراطية اليسارية الثانية التي يقودها في أيار/ مايو 2021. وبعد سيرورة صارمة تستند إلى معايير تركز على وصول الأسر إلى التشغيل والغذاء والصحة والإسكان، حددت الحكومة 64,006 أسرة (أو 103,099 فردًا) على أنهم فقراء للغاية. ولإجراء هذا المسح، اعتمدت الحكومة على حوالي 400,000 جامع بيانات – بمن فيهم موظفون حكوميون وأعضاء تعاونيات وأعضاء في المنظمات الجماهيرية للأحزاب اليسارية – لتحديد المشكلات الفريدة التي تواجهها الأسر الفقيرة. قام جامعو البيانات بإنشاء خطط مخصصة لكل أسرة – من تأمين المستحقات والوصول إلى الخدمات العامة إلى الحصول على الإسكان والرعاية الصحية ودعم سبل العيش – لبناء قدرتهم على مكافحة الفقر.
كان دور الحركة التعاونية أساسيًا في هذه الحملة. لم تكن عملية التخطيط للقضاء على الفقر ممكنة لولا دور نظام التسيير الذاتي المحلي، وهو نتيجة اللامركزية الناجحة للسلطة في كيرالا. ومع صدور هذه المراسلة، تشهد كيرالا انتخابات جديدة للهيئات المحلية.

على مدى السنوات القليلة الماضية، عمل معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي بشكل وثيق مع مركز أبحاث “جمعية أورالونغال التعاونية لعقود العمل” (UL) لبناء معرفة حول الحركة التعاونية في كيرالا. ونحن فخورون جدًا بنشر دراستنا المشتركة “الحركة التعاونية في كيرالا بالهند” في غضون شهر من إعلان كيرالا القضاء على الفقر المدقع. تقدم دراستنا لمحات عن ست تعاونيات مختلفة، مع مقالات بحثية أجراها باحثون عملوا بشكل وثيق معها. تركز إحدى المقالات على “كودومباشري”، وهي تعاونية نسائية بالكامل تضم ما يقرب من خمسة ملايين عضوة، ولعبت دورًا رئيسيًا في تنفيذ مشروع القضاء على الفقر المدقع.
كانت أول حكومة ديمقراطية في كيرالا، التي تولت السلطة في عام 1957، بقيادة الشيوعيين. بدأت على الفور في تنفيذ برنامج للإصلاح الزراعي، بما في ذلك إعادة توزيع الأراضي، وتوسيع المنافع الاجتماعية الشاملة مثل التعليم العام والرعاية الصحية والإسكان والمكتبات. هذه الدمقرطة للمجال الريفي، إلى جانب التعبئة الاجتماعية المستمرة، سرّعت مسيرة ملايين السكان في كيرالا نحو مؤشرات اجتماعية تُعد أعجوبة للعالم: محو أمية شبه كامل، ومعدل وفيات منخفض جدًا للرضع والأمهات، ومتوسط عمر مرتفع، وواحد من أعلى درجات التنمية البشرية في الهند. خلقت هذه الاستثمارات، التي بُنيت على مدى عقود، الظروف للقضاء على الفقر قبل وقت طويل من ظهور البرامج المستهدفة. حكمت الائتلافات بقيادة شيوعية كيرالا في الفترات 1957-1959، 1967-1969، 1980-1981، 1987-1991، 1996-2001، 2006-2011، ومن 2016 إلى الحاضر. وحتى عندما لم يكن اليسار في السلطة، ضمنت التعبئة الاجتماعية من قبل اليسار عدم تراجع الحكومات اليمينية عن هذه المكتساب.

مع توسع نموذج التقشف القائم على الديون النيوليبرالي في التسعينيات، تزايدت الضغوط على حكومة الجبهة الديمقراطية اليسارية لعكس بعض هذه المشاريع وتبني الخصخصة. ومع ذلك، اختارت الجبهة طريقًا مختلفًا. من خلال “حملة خطة الشعب للتخطيط اللامركزي”، التي أُطلقت في عام 1996، قامت الحكومة بتفويض 40% من نفقات الولاية للحكومات المحلية وطلبت من المحليات تحديد الاحتياجات، وتصميم البرامج، وتخصيص ميزانيات لمشاريع التنمية. وبدلاً من تطوير أجندة تنمية وتخفيف فقر موحدة موجهة للجميع، بنى شعب كيرالا مشاريع مخططة محليًا ومحددة السياق ركزت على تحرير المجتمعات المستغلة والمهمشة، بما في ذلك الأديفاسي (السكان الأصليين)، والداليت، والمجتمعات الساحلية. رسخت الحملة ثقافة السياسة الاجتماعية الديمقراطية وغذّت شبكة كثيفة من المؤسسات العامة والتعاونيات – والتي كانت جميعها حاسمة لمشروع القضاء على الفقر المدقع.
عندما أعلن نهاية الفقر المدقع في كيرالا، قدم رئيس الوزراء فيجايان مشروع القضاء على الفقر المدقع (EPEP) كاستمرار لهذا المسار الطويل. وسلّط الضوء على العديد من المبادرات التي مهدت الطريق للبرنامج، بما في ذلك تعميم نظام التوزيع العام، الذي يوفر غذاء ووقودًا مدعومًا، والجهود طويلة الأجل للقضاء على فقدان الأراضي والتشرد، بما في ذلك “بعثة الحياة” (LIFE Mission)، التي وفرت منازل لأكثر من 400,000 أسرة في جميع أنحاء الولاية. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك ركائز أخرى لنموذج كيرالا – المخططات الحكومية التي وسعت الرعاية الصحية العامة، وتوزيع الغذاء، والمساعدة التعليمية، وفرص العمل، وبالتأكيد التعاونيات. لقد غيرت هذه المبادرات مجتمعة الحياة الاجتماعية في كيرالا وعززت طابع حركتها اليسارية.

توفر دراستنا مع مركز أبحاث “UL” نافذة على التعاونيات المختلفة التي لعبت دورًا رئيسيًا في دمقرطة اقتصاد كيرالا. تأسست “كودومباشري”، التي تعني “ازدهار الأسرة” باللغة الماليالامية، في عام 1998 كجزء من بعثة القضاء على الفقر في الولاية، وهي الآن أكبر شبكة مساعدة متبادلة للنساء في العالم، وتتمحور حول فكرة أنه إذا ما بنت النساء على مستوى الأسرة والمجتمع ثقتهنّ بأنفسهنّ وقدرتهنّ على فهم الحياة الاقتصادية وتقييمها، فإنّ محور التنمية يمكن أن ينتقل من المؤسسات الأبوية إلى تلبية احتياجات النساء العاملات. وقد سمحت المزارع الجماعية، والمطابخ المجتمعية، ومبادرات تطوير المهارات التعاونية، وغيرها من أشكال المشاريع المشتركة لنساء كودومباشري بزيادة دخلهن وبناء القوة في الحياة العامة والخاصة على حد سواء. إن تأكيد كودومباشري على التضامن بدلاً من المنافسة وعلى ريادة الأعمال الجماعية بدلاً من الفردية يميزها عن استراتيجيات التخفيف من حدة الفقر القائمة على منطق السوق. مؤخرًا، أعلنت حكومة كيرالا عن “مخطط أمان المرأة” القائم على ضرورة الاعتراف بقيمة العمل المنزلي غير المدفوع الأجر. ستتلقى النساء المؤهلات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 35 و60 عامًا مبلغ 1,000 روبية شهريًا. تعد مثل هذه المبادرة جزءًا من المحاولة الشاملة لتحويل علاقات الملكية الأبوية في كيرالا.
تُعد كودومباشري جزءًا من نظام بيئي أوسع من التعاونيات التي تدعم كفاح كيرالا ضد الفقر. وهذه المبادرات مجتمعة هي أمثلة قوية على كيف أن “العمل المأجور ليس سوى شكل انتقالي وأدنى، مقدر له أن يختفي أمام العمل المشترك الذي يبذل جهده بيد طوعية، وعقل مستعد، وقلب مبتهج”، بتعبير ماركس. فهي تظهر أن التعاونيات ليست فقط شبكات أمان للفقراء ولكنها أيضًا وسائط للتخطيط الديمقراطي، والتقدم التكنولوجي، والكرامة الاجتماعية.
تشمل هذه التعاونيات:
جمعية أورالونغال التعاونية لعقود العمل (UL). تأسست في عام 1925 في شمال كيرالا كجمعية مساعدة متبادلة لعمال البناء الذين يواجهون استبعادًا قائمًا على النظام الطبقي، ونمت هذه الجمعية لتصبح واحدة من أكبر تعاونيات العمال في آسيا، وتشغل عشرات الآلاف في مشاريع بنية تحتية كبرى. وهي تظهر كيف يمكن للمشاريع التي يسيطر عليها العمال إنجاز أشغال عامة معقدة مع توسيع الحماية الاجتماعية والرفاهية الجماعية لعمالها والمجتمع المحيط.
شبكة التعاونيات الائتمانية في كيرالا. تضم أكثر من أربعة آلاف تعاونية ائتمانية، مع عشرات الملايين من الأعضاء ومعظمهم من الطبقة العاملة والمهمشين، كـ “بنوك شعبية” التي تصل إلى مناطق لم يصل إليها التمويل الخاص. ومن خلال حماية المقترضين من المقرضين الربويين، وتثبيت الإصلاح الزراعي، وتعبئة المدخرات المحلية – بما في ذلك خلال فيضانات 2018 وجائحة كوفيد-19 – فإنها توفر العمود الفقري المالي للقضاء على الفقر.
الجمعية التعاونية المركزية لعمال دينيش بيدي في كيرالا. تشكلت في عام 1969 بعد أن أغلق أصحاب مصانع البيدي (سجائر رفيعة ملفوفة يدويًا) الخاصة أماكن عملهم بدلاً من تنفيذ تدابير حماية العمل الجديدة، وسرعان ما أصبحت دينيش بيدي المنتج الرائد للبيدي في جنوب الهند. وقد ضمنت أجورًا أعلى، وضمانًا اجتماعيًا، وحياة ثقافية غنية لأعضائها، ونوعت نشاطها لاحقًا بعيدًا عن التبغ للحفاظ على الوظائف في إنتاج مفيد اجتماعيًا.
مصنع جمعية الشاي التعاونية ساهيا. في ريف التلال بإيدوكي، استخدم مزارعو الشاي الصغار والعمال الزراعيون “بنك ثانكاماني التعاوني للخدمات” الذي يضم 15,000 عضو لإنشاء مصنعهم الخاص في عام 2017 والانفصال عن احتكارات “شركات الشاي الكبرى”. بمعالجة 15,000 كيلوغرام من الأوراق يوميًا وتشغيل أكثر من 150 عاملاً، تضمن “ساهيا” أسعارًا أفضل لحوالي 3,500 مزارع وتبين كيف يمكن للمنتجين الصغار الارتقاء في سلسلة القيمة والدفاع عن سبل عيش كريمة.
جمعية أودايا بورام التعاونية لعقود العمل. في كودوم بيلور، وهي مجلس قروي (بانشايات) نائية في كاساراغود، نظم قرويون يواجهون الإقطاع العقاري، والمسؤولين الفاسدين، والمقاولين الجشعين تعاونية عمالية في عام 1997. ومن ما يزيد عن مائتي عضو نمت لتشمل ما يقرب من ثلاثة آلاف عضو عامل، بمن فيهم العديد من الأديفاسي (السكان الأصليون)، الذين ينفذون الآن أشغالا عامة بشروط شفافة وعادلة ويشكلون أولويات التنمية المحلية بأنفسهم.
تُظهر هذه التعاونيات مجتمعة – إلى جانب كودومباشري – ما يصبح ممكنًا عندما تلتقي سياسة الدولة، والإصلاح الاجتماعي، والعمال المنظمون. إنها تفعل أكثر من مجرد تخفيف ضربات السوق. إنها تعيد تنظيم الإنتاج حول الاحتياجات البشرية، وتعمق الديمقراطية في مكان العمل والقرية، وتقدم لمحة حية عن العمل المشترك في الممارسة – عن شيوعية ممكنة – حتى في ظل الظروف القاسية للرأسمالية المعاصرة التي تجعل برامج مثل مشروع القضاء على الفقر المدقع ضرورية.
قصة القضاء على الفقر في كيرالا ليست خالية من التحديات. لا تزال الولاية داخل الاتحاد الهندي وبالتالي عرضة لتقلبات صنع السياسات من قبل الحكومة اليمينية في نيودلهي. ومثل أجزاء كثيرة من الجنوب العالمي، يواجه شباب كيرالا بطالة عالية وغالبًا ما يهاجرون إلى منطقة الخليج الفارسي وأجزاء أخرى من العالم للعمل. وتُعاق محاولات بناء قوى إنتاجية نوعية جديدة تسمح للولاية بتجاوز الصناعات القديمة بسبب الوصول المحدود إلى عائدات الضرائب المحصلة من الولاية بواسطة الحكومة المركزية. ومع ذلك، هناك محاولات مستمرة للتغلب على هذه القيود وبناء نموذج تنموي أكثر قوة لكيرالا.

في شباط/ فبراير 2021، أعلن الرئيس شي جين بينغ أن ما يقرب من 99 مليون صيني قد انتشلوا أنفسهم من الفقر المدقع، وهم آخر الفقراء في البلاد. فعلت الدولة البالغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة ذلك قبل عقد من التاريخ المحدد بواسطة أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2030. وحققت كيرالا هدفها قبل عام من المتوقع. وتخطط فيتنام، وهي دولة أخرى قريبة من هذا الإنجاز، لإنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2030. وليس من المستغرب أن تكون جميع هذه المشاريع الثلاثة بقيادة أحزاب شيوعية، يدفعها التزامها بالتحرر البشري للعمل على ضمان أن يتمكن كل إنسان من العيش بكرامة. إن القضاء على الفقر ليس غاية في حد ذاته بل جزء من الرحلة الطويلة للتحرر البشري – إنه مشروع اجتماعي حي، وليس مجموعة من المربعات التي يجب التأشير عليها. وكما قال كوامي نكروما، “إلى الأمام دائمًا، إلى الخلف أبدًا”.
*نشرت هذه المراسلة لأول مرة باللغة الإنجليزية بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 2025.

