معهد القارات الثلاث للبحث الاجتماعي/ مدار: 09 شباط/ فبراير 2026
فيجاي براشاد

نشر معهدنا سنة 2024 نصين هامين: الدراسة المعنونة بـ “الفرط-إمبريالية: مرحلة جديدة خطيرة ومنحطة”، والملف رقم 72، “تحوّل النظام العالمي“. يقدم النصان، مجتمعين، خمس ملاحظات رئيسية:
- دخلت الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة مرحلة جديدة وأكثر عدوانية، نطلق عليها “الفرط-إمبريالية”. لقد تميز النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية بالهيمنة الأمريكية، الظاهرة في شبكتها المكونة من أكثر من 900 قاعدة عسكرية أجنبية؛ وفي مفهوم “الناتو العالمي” واستخدام الضربات العسكرية الأمريكية-الأطلسية لحل النزاعات السياسية خارج شمال الأطلسي؛ وفي الأشكال الهجينة لإستعراض القوة، بما في ذلك التدابير القسرية أحادية الجانب، وحرب المعلومات، والأشكال الجديدة للمراقبة، وتوظيف “الحرب القانونية” (lawfare) لنزع الشرعية عن المعارضة. هذه الفرط-إمبريالية مدفوعة، كما نحاجج، بالتراجع الاقتصادي والسياسي النسبي للـ “شمال العالمي”.
- تظل الولايات المتحدة القوة المركزية المهيمنة داخل كتلة إمبريالية موحدة نصفها بـ “الشمال العالمي”. نجادل بأنه بدلاً من التنافس متعدد الأقطاب بين القوى الإمبريالية الغربية، تهيمن الولايات المتحدة على كتلة “الناتو+” المتكاملة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، والتي أخضعت القوى الغربية الأخرى. تسعى هذه الكتلة بقيادة الولايات المتحدة لاحتواء ما تراه تحديات لسيطرتها على “الجنوب العالمي”، من قبيل صعود الصين.
- تهدف كتلة “الفرط-إمبريالية” للحفاظ على سيطرتها الاستعمارية الجديدة على “الجنوب العالمي” وتأمين الهيمنة الاستراتيجية على القوى الصاعدة في أوراسيا (الصين وروسيا). تسعى الولايات المتحدة، من خلال كتلة “الناتو+” وسيطرتها على المؤسسات المالية الكبرى مثل صندوق النقد الدولي (IMF)، لقمع السيادة الوطنية ومقاومة أي تحد لمصالحها – كما تبيّن في الحرب في أوكرانيا والإبادة الجماعية في غزة. نرى هذا أيضاً في انسحاب الولايات المتحدة من أي اتفاقيات متعددة الأطراف تقيد قوتها، بما في ذلك معاهدات الحد من التسلح الرئيسية مثل “معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية” (2002) و”معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى” (2019)، وكذلك “اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ” (2026).
- يجب، بالنسبة لكتلة “الناتو+” بقيادة الولايات المتحدة، عكس مسار صعود الصين وانتقال مركز اقتصاد العالم من شمال الأطلسي إلى آسيا. تسلط أبحاثنا الضوء على كيفية تجاوز “الجنوب العالمي” – بقيادة الصين واقتصادات ناشئة أخرى – للـ “شمال العالمي” في الناتج المحلي الإجمالي (GDP) بمعيار تعادل القوة الشرائية (PPP)، وبالتالي تمثيله تهديداً جديا للهيمنة الاقتصادية الغربية. نبيّن أن السيطرة على المواد الخام والعلوم والتكنولوجيا والتمويل يجري التنازع عليها من قبل هذه القوى الصاعدة. أثار هذا استجابة استراتيجية من كتلة “الناتو+”. فبينما يريد “الجنوب العالمي” منح الأولوية للسلام والتنمية، يريد “الشمال العالمي” فرض الحرب على العالم.
- تكثف المرحلة الحالية للإمبريالية احتمالية الصراع وتشكل خطراً على الاستقرار العالمي. أصبحت القوة العسكرية والأساليب الهجينة، مع تآكل القوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، مركزية لدى واشنطن قي محاولة الحفاظ على نفوذها العالمي. يزيد هذا من خطر العنف والمواجهة واسعي النطاق اللذين يعرضان إمكانية السلام العالمي للخطر، ويسرعان الكارثة المناخية، ويهددان سيادة شعوب “الجنوب العالمي”.
مفهوم “الفرط-إمبريالية” مركزي في عملنا. ما نراه الآن هو “الفرط-إمبريالية” تندفع بأقصى سرعتها.

تزامن الهجوم الأمريكي على فنزويلا في 3 كانون الثاني/يناير 2026 في نفس اليوم مع قصف طائرات فرنسية وبريطانية لمنشأة تحت الأرض في الجبال بالقرب من تدمر (سوريا)، وبعد بضعة أسابيع فقط من قصف الولايات المتحدة لقرى في ولاية سوكوتو النيجيرية. لم يحظ أي من هذه الهجمات – التي نُفذت جميعها بذريعة محاربة شكل ما من أشكال “الإرهاب” – بتفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما يجعلها انتهاكات للقانون الدولي. ما هي إلا توضيحات لخطر وانحطاط هذه الفرط-إمبريالية المختنقة. وهي ليست سوى أمثلة على استعراض كتلة “الناتو+” لقوتها على “الجنوب العالمي” من خلال أعمال عسكرية مميتة لا يوجد دفاع ضدها.
وصل الإنفاق العسكري العالمي السنوي إلى 2.7 تريليون دولار في عام 2024، مع توقعات بأن يصل إلى ما بين 4.7 تريليون دولار و6.6 تريليون دولار بحلول عام 2035 – الرقم الأعلى يمثل خمسة أضعاف المستوى في نهاية الحرب الباردة ومرتين ونصف المستوى المنفق في عام 2024. يقدّر التقرير نفسه أن القضاء على الفقر المدقع عالمياً سيتطلب ما بين 2.3 تريليون دولار و2.8 تريليون دولار على مدى عشر سنوات. تقوم دول “الناتو+” بأكثر من 80% من هذا الإنفاق العسكري، والولايات المتحدة هي، وبفارق كبير، أكبر منفق عسكري في العالم. لا تنفق الكثير على أسلحة الدمار دون أن تكون قادراً على تدمير العالم. لا توجد دولة أخرى تقترب من قدرة دول كتلة “الناتو+” على الترهيب بالقوة المسلحة.

المفهوم الرئيسي الثاني الذي طوره معهدنا خلال السنوات القليلة الماضية هو المزاج الجديد في “الجنوب العالمي”. جادلنا بأنه نظراً لإعادة التوازن الاقتصادي في الفترة الأخيرة، فُتح المجال لدول في إفريقيا وآسيا – بشكل خاص – لتأكيد سيادتها بعد عدة عقود من الاختناق. رأينا ذلك، على سبيل المثال، في منطقة الساحل بإنشاء “تحالف دول الساحل” (AES) من طرف بوركينا فاسو ومالي والنيجر؛ وفي رد فعل عدة دول على القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية؛ وفي محاولة دول من إندونيسيا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية لإضافة قيمة إلى موادها الخام بدلاً من تصديرها غير معالجة. تظهر هذه الأمثلة كيف بدأت دول “الجنوب العالمي”، بقيادة الصين، في اختبار قدرتها على تأكيد ذاتها ضد سلطة “الناتو+” عبر مؤسسات متنوعة. لكن الكلمة المفتاح هنا بالنسبة لنا هي “المزاج”: حساسية جديدة يجري اختبارها لكنها ليست بعد تحدياً متطوراً للغرب.

التقى الرئيس مادورو، قبل ساعات قليلة من الهجوم على فنزويلا، مع تشيو شياو تشي (Qiu Xiaoqi)، المبعوث الخاص للصين لأمريكا اللاتينية، في كاراكاس. ناقشا “ورقة سياسة الصين الثالثة بشأن أمريكا اللاتينية” (التي صدرت في 10 كانون الأول/ديسمبر 2025)، والتي أكدت فيها الحكومة الصينية: “كدولة نامية وعضو في الجنوب العالمي، وقفت الصين دائماً متضامنة في السراء والضراء مع الجنوب العالمي، بما في ذلك أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي”. راجعا 600 مشروع تنموي مشترك بين الصين وفنزويلا والاستثمارات الصينية البالغة نحو 70 مليار دولار في فنزويلا. تبادل مادورو وتشيو الحديث ثم التقطا صوراً نُشرت على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي وبُثت على التلفزيون الفنزويلي. غادر تشيو الاجتماع بعد ذلك مع السفير الصيني لدى فنزويلا، لان هو (Lan Hu)، ومديري إدارة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بوزارة الخارجية، ليو بو (Liu Bo) ووانغ هاو (Wang Hao). قُصفت كاراكاس في غضون ساعات.
قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، بعد وقت قصير من الهجوم: “إن العمل الأمريكي الذي يهدف إلى الهيمنة يُعد انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، وتعدياً على سيادة فنزويلا، وتهديداً للسلام والأمن في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. الصين تعارض ذلك بشدة”. أبعد من ذلك، لم يكن بالإمكان فعل الكثير. لا تملك الصين القدرة على صد وحشية “الفرط-إمبريالية” الأمريكية من خلال القوة العسكرية. تمتلك الصين وروسيا قدرة عسكرية معتبرة، بما في ذلك الأسلحة النووية، لكنهما لا تمتلكان البصمة العسكرية العالمية للولايات المتحدة – التي يتجاوز إنفاقها العسكري ضعف إنفاق هاتين الدولتين مجتمعتين – وهما بالتالي قوتان دفاعيتان بشكل أساسي (بمعنى أنهما قادرتان بشكل رئيسي على الدفاع عن حدودهما).
تعتبر هذه الأحداث الأخيرة علامة على ضعف المزاج الجديد في “الجنوب العالمي” في الوقت الحاضر، لكن ليس اندحار ذلك المزاج. توالت الإدانات، عبر “الجنوب العالمي”، للانتهاك الأمريكي لميثاق الأمم المتحدة بسرعة وكثافة. يبقى المزاج الجديد قائماً، لكن له حدوده.

المفهوم الرئيسي الثالث الذي طوره معهدنا هو اليمين المتطرف من نوع خاص. وصل هذا اليمين المتطرف بسرعة إلى الحكومات في معظم القارات، لكنه فعل ذلك بسرعة أكبر في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. نجادل بأنه ظهر لعدة أسباب، منها:
- فشل الديمقراطيين الاجتماعيين في حل أزمات عميقة للبطالة، والأنوميا الاجتماعية، والجريمة بسبب التزامهم بالحذر المالي المفروض من صندوق النقد الدولي وسياسات التقشف القاسية.
- انهيار أسعار السلع الأساسية التي سمحت للقوى الديمقراطية الاجتماعية بركوب “موجة وردية” قائمة على إعادة توزيع الدخول الوطنية المتزايدة وعلى سياسات رفاه اجتماعي متواضعة عالجت المشاكل الأكثر إلحاحاً التي تواجه السكان، بما في ذلك الجوع والفقر. تم توجيه جزء من عداء اليمين المتطرف نحو خطط إعادة توزيع الدخل هذه، التي يدعي أنها غير عادلة للطبقة الوسطى.
- فشل الديمقراطيين الاجتماعيين – أو حتى اليسار عندما وصلوا للسلطة المحلية – في معالجة ارتفاع الإجرام، المرتبط جزئياً بتجارة المخدرات، الذي اجتاح أحياء الطبقة العاملة عبر نصف الكرة الغربي.
- تحويل خطاب الفساد إلى سلاح من قبل اليمين المتطرف من نوع خاص لنزع الشرعية بشكل منهجي عن الشخصيات السياسية لليسار والوسط والديمقراطيين الاجتماعيين. خلق نظام “الحرب القانونية” هذا سياسة أخلاقية زائفة عالية النبرة ترفع الرغبة الاستبدادية للنظام والعدالة العقابية دون أي إصلاح بنيوي.
- ظهور سياسة الخوف استجابة لأزمة حضارية مصطنعة تتجسد في شبح “إيديولوجيا النوع الاجتماعي”، والتصوير العنصري للشباب السود في المراكز الحضرية كتهديد (بحيث أصبح التعامل مع عنف الشرطة ضدهم كأمر طبيعي ومتوقع)، ومطالبات الشعوب الأصلية بالأراضي، والمطالب البيئية. استحوذ اليمين المتطرف من نوع خاص على مخيلة ما يكفي من السكان حول الدفاع عن تقاليدهم والحاجة لاستعادة أسلوب حياتهم، كما لو كان النسويون والشيوعيون هم من نخروا المجتمع وليس نيران الدمار النيوليبرالي.
- ضخ كميات هائلة من المال من “الشمال العالمي” إلى “الجنوب العالمي” من خلال منظمات يمينية عابرة للحدود (مثل منتدى مدريد في إسبانيا – Foro Madrid) لتغذية الشبكات الإنجيلية والنظم الجديدة للتضليل الرقمي.
- التدخل المباشر للولايات المتحدة في “الجنوب العالمي” من خلال هيمنتها على المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن خلال الأنظمة المالية العالمية مثل “سويفت” (SWIFT)، ومن خلال القوة العسكرية المباشرة والترهيب.
كان اليمين المتطرف من نوع خاص في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي هو الترياق الإمبراطوري لعودة أفكار السيادة التي عبر عنها سيمون بوليفار وتبناها هوغو تشافيز، والتي وجدت تعبيراً لها في “الموجة الوردية”. وبينما انحسرت الموجة الوردية، اندفعت موجة غاضبة: انتقلنا من قادة مثل تشافيز (فنزويلا)، وإيفو موراليس (بوليفيا)، ونيستور كيرشنر (الأرجنتين) إلى جايير بولسونارو (البرازيل)، وخافيير ميلي (الأرجنتين)، ودانيال نوبوا (الإكوادور)، وخوسيه أنطونيو كاست (تشيلي)، ونجيب بوكيلي (السلفادور).

المفهوم الرئيسي الرابع الذي طوره معهدنا، والذي يساعدنا في تشكيل تفكيرنا، هو المستقبل – ليس فقط كالاشتراكية، الهدف، بل كالأمل، الوعي تجاه مستقبل كهذا: فكرة أنه يجب ألا نسمح لتقييد تفكيرنا بحاضر أبدي وقبيح، بل توجيهه بدلاً من ذلك نحو الإمكانيات الكامنة في تاريخنا ونضالاتنا من أجل عالم أفضل. يدعي اليمين المتطرف من نوع خاص، من خلال “لاهوت الازدهار”، أنه يمثل المستقبل، بينما لا يقدم في الواقع سوى حاضر دائم من التقشف والحرب ويصور اليسار على أنه الماضي. لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة. سيستكشف ملفنا المائة (أيار/مايو 2026) هذا المفهوم. نتطلع لمشاركته معكم.
وكما كان كوامي نكروما (Kwame Nkrumah) يقول: “إلى الأمام دائماً، إلى الوراء أبداً”.
*نشرت هذه المراسلة لأول مرة باللغة الإنجليزية بتاريخ: 15 كانون الثاني/ يناير 2026.

